من هو المثقف ..؟
كلمة (مثقف) أو (ثقافة) في اللغة، تعني غير ما هو شائع أو معروف، عند أكثر الناس. ففي القاموس المحيط ، ومختار الصحاح :
ثقف ، ثقفاً .. غلبه في الحذق.
ثقف (الرمح) أي قومه. ثقف الولد، أي علمه وهذبه.
يساء كثيرا فهم معنى كلمة (مثقف) في وقتنا الحاضر، حتى صار أغلب الناس، يطلقونها على طبقة خاصة من المتعلمين، وشاع استعمالها، إلى درجة أصبحت الكلمة، تعني حامل شهادة، أو خريج جامعة.المثقف كذلك ، في الثقافة الشعبية، تمثيل لصورة رجل كثير القراءة. يجيد الحديث بأسلوب، ولغة تعبيرية جذابة، ويعتمد في حديثه على المصطلحات والمفاهيم.. الغربية غالباً، نتيجة ما اكتسبه من معلومات عن طريق القراءة، أو تعريض نفسه لمصادر معلومات.. وسائل الإعلام تحديدا. كما أن الثقافة لديه، تنوع غير متجانس، في شتى صنوف المعرفة.

إذا لم يكن الشخص المثقف، هو ما شاع وصف الناس له، فمن هو المثقف إذاً ؟

ليس من اليسير إعطاء تعريف دقيق ونهائي لمفهوم المثقف، لاختلاف المعنى والمدلول بين الثقافات المختلفة، بل بين أفراد (الثقافة) الواحدة، نتيجة اختلاف التراكم المعرفي، وتنوع التجربة التاريخية. تتراوح التعريفات، بين مفهوم ضيق، يجعلها مقتصرة على النشاطات الذهنية.. من خلال المخرجات الفكرية، وبين مفهوم يدمج النشاطات مجتمعة : الفكر .. وما ينتج عنه، ويؤدي إليه، من سلوك وممارسة.
على أساس من المعنى الاصطلاحي ، الذي تعارف عليه أهل الاختصاص .. المثقف : هو من يحاول إدراك الأشياء التي تحيط به.. معرفيا، والوقوف على ما يجري حوله، ضمن عملية (وعي) دائبة. لا يتأتى ذلك، إلا بالسعي لزيـادة المعلومات، وتوسيع أفق التفكير. هناك رأي يعتبر أن المثقف فقط ، هو ذلك الفرد الأكثر انغماسـاً بالفضاء، الذي ترسـم حدوده الكلمة. الكلمة هنـا، حالة تعبيـرية، تجعـل منه – أي (المثقف) – منتجاً للأعمال الفكرية، بأشكالها الإبداعية والعلمية، المرتبطة مباشرة بنشاط ذهني. المثقف بهذه الصفة هو.. في المقام الأول والأخير، صاحب النتاج الفكري والإبداعي. هذا النتاج، هو (الآلية) التي يتوسل بها هو.. أو غيره، ممن يحملون نفس (الإيمان)، ليغيروا وجه الحياة، إلى ما هو أفضل، ويسعون خلال ذلك، إلى خلق قيم، تؤثر في سلوك الإنسان، ومسار حياته.
الجدل حول المثقف لم ينتهِ. نعوم تشومسكي يعتبر أن المثقف، هو من يحمل الحقيقة في وجه القوة. المفكر البحريني (محمد جابر الأنصاري)، يضفي عليه صفة موسوعية، فيصفه بأنه : من غادر حقل الاختصاص. الإيمان بدور المثقف وقدرته .. لدى البعض، يعمد إلى تقسيم مجازي، بين مثقف (حقيقي)، وآخر غير ذلك. كما يضفي عليه كارزما (الشهادة)..الموت الأسطوري في سبيل المجموع.
لذا .. المثقف (الحقيقي) بناء على ذلك، هو من يرسم مصيره بنفسه .. مختارا، وبوحي من دوره، ومهمته التي ارتآها لنفسه.. فيموت بإحدى طريقتين : إما أن تتم تصفيته جسدياً، أو يتم اغتيال أفكاره اجتماعياً، في لعبة الصراع الفكري. النهاية الأخيرة ،فيها تماهٍ مع ما ذكره مالك بن نبي، في (شروط النهضة).. عند الحديث عن المفكر الرمز.

إذاً.. اكثر الأسئلة جدلاً..هو : من هو المثقف؟

خطر هذا السؤال ببالي مرة أخرى، وأنا أقرأ كتاباً، ترجمته (مرهقة)، للمفكر الأمريكي، الفلسطيني الأصل (إدوارد سعيد).. في فصل سماه (صورة المثقف)، من كتابه : (الآلهة التي تفشل دائماً). سعيد حاول أن يجيب عن سؤال مماثل.. من خلال استقراء آراء بعض (المثقفين)، أمثال الإيطالي أنطونيو غرامشي، الذي تحدث عن (المثقف العضوي).
المفكر الإيطالي (غرامشي) في مصطلحه : المفكر العضوي، قدم تصوراً أوسع للمثقف. حسب رؤيته : كل إنسان يقوم من خلال مهنته، بنوع من أنواع النشاط الفكري.. فهو (مثقف)، يسهم في خلق رؤية للعالم. بهذا التعريف، يتسع مفهوم الثقافة، لينضوي تحته، جميع الذين يقاربون (الفعل) الثقافي .. بوصفه عالماً من الرموز، يشمل العلم، والفنون، والأدب، والدين. يدخل ضمن هؤلاء.. حسب غرامشي، أولئك الذين يعملون على تعميم الثقافة من خلال المهنة.. ناشرون، وموزعون، ومن في حكمهم.
مفهوم المثقف أخذ بعدا آخر،بعد قضية (الفريد دريفوس) في فرنسا، في نهاية القرن التاسع عشر. أحداث تلك القضية وتداعياتها، أكسبت المثقف دورا رياديا، وبعد إنسانيا في المجتمع، وصار صاحب قضية، إلى جانب دوره التنويري. بدأت القصة، عندما كتب المفكر الفرنسي إيميل زولا مقالته الشهيرة : “إني أتهـم”.. وهي عبارة عن مرافعة طويلة، ضد الحكم الذي صدر بحق (دريفوس)، بشأن قضية تجسس لصالح ألمانيا، رغم ظهور أدلة تشهد ببراءته، ومحاولة الحكومة طمس تلك الأدلة. رسم موقف زولا، والمثقفين الفرنسيين الذين ساندوه.. في وثيقتهم الشهيرة، معايير جديدة للمثقف، أهمها : دوره الريادي، والتصاقه بقضايا المجتمع .. ثم انحيازه للهم الإنساني، وللحقيقة، حتى لو كلفه ذلك غاليا.
المثقف إذاً.. هو (الإنسان) المفكر أولا. هو طليعة المجتمع فكرياً واجتماعياً. هو الذي يثير الأسئلة، ويتبنى قضايا المجتمع وهمومه. لا يكون (انتهازياً).. يقف مع (الحزب)، أو نفعيا، ينحاز للسلطة ضد الأمة ! ولا ينقلب (ميكيافيليا)، ضد فروسية المثقف، ويغلب مصالحة. لكن .. تداخل الخاص مع العام، أبقى العلاقة بين المثقف والسلطة، بمختلف مؤسساتها.. ملتبسة.

هل (يُصنع) المثقف ؟ هل تصنعه السلطة ؟ هل يصنعه الإعلام ؟

ابتداءً ..الثقافة والمثقف ليس «عملاً إجرائياً»، حتى نستطيع أن نصنعه. نستطيع أن نقيم (مؤسسات) ثقافية، من أندية أدبية، ومكتبات.. ووسائل إعلام، لكننا لا نستطيع أن نصنع المثقف.
الثقافة لا علاقة لها بالوفرة المادية، والقدرة على بناء مؤسسات .. مثل وسائل الإعلام، بل بالفعل المعرفي، الذي يأتي إليه الإنسان راغباً، ويمارسه عن شغف.
هناك علاقة تضاد، وتكامل، وعلاقة احتواء.. بين المثقف والسلطة. تتوجس السلطة من المثقف المستقل، فتجعل منه ضداً وخصماً، ويصبح كل ما يصدر منه، قابل لتأويل عكسي، ويصير هو.. مطالب بتفسير أي موقف يقفـه. وطنيّته متهمة، وولاؤه موضع تساؤل..!
حينما تكون العلاقة بالسلطة .. إحتواءً ، يتحول ( المثقف ) إلى بوق للسلطة ، وينحدر إلى مستوى ( الأداة ) ، التي تستخدمها السلطة ، لإضفاء شكل ( أخلاقي ) على ممارسات ( لا أخلاقية ) . تحتاج السلطة المثقف ، لـــ ( أنسنة ) سياساتها، تجاه الفرد، والثقافة، والمجتمع . تلك السياسات الموسومة، بكل ما فيه انتهاك للآدمية ، وامتهان للثقافة .. لما كان المثقف، وكانت الثقافة، يمثلان أعلى شكل من أشكال الفعل الإنساني الخلاق، ومظهرا لاحترام آدمية الإنسان.
تكامل السلطة مع المثقف ، يأخذ اتجاهين : سالب وموجب . التكامل السلبي للمثقف مع السلطة، يتبدّى حينما يتبنى ( المثقف ) دوراً ،ضمن ترتيب معين ، يظهر من خلاله ، أنه ضد التجاوزات الرسمية ، وهو في حقيقته .. وواقـــــــع الأمر ، يسعى لتكريس صــــــــــورة ( نمطية ) ايجـابية للسلطة. مثل ( ديمقراطية ) السلطة .. وتسامحها، حيث تسمح له بالمعارضة، وتعطي الرأي الآخر حق التعبير عن نفسه ، ضمن هامش محسوب . قد يتكامل المثقف ايجابياً مع السلطة .. وهذا أمر جيد، حينما يدعم توجهاتها الايجابية ، في مسائل مثل ، صيانة الحريات ، والتحرك نحو هامش أوسع للمشاركة الشعبية ، والشفافية في التعاطي مع الشأن العام ، والتوزيع العادل للثروة، ومبدأ تكافؤ الفرص، واستقلال السلطة القضائية .. واحترام حقوق الإنسان .
انتهازية (المثقف) ، أفرزت تقسيمات من نوع المثقف ( المرتزق ) : كل شيء على ما يرام! أو المثقف ( المُسْـتَـلَب ) : طليعة الآخر .. المغاير ، الثقافة الخصم . أحداث سبتمبر ، كشفت عن نماذج مخيفة من هذا النوع .. الأخير ، من أولئك الذين يقومون بدور ( أبي رغال ) ، فيقودون ( الفــيل ) الأجنبي ، إلى ما اعتبروه ثغـــــرات في ( جدار ) النسيج الاجتماعي، والثقافة المحلية .

المثقف .. ووسائل الإعلام

لا شك أن هناك علاقة ما، بين الثقافة والتراكم المعرفي، عبر التعرض لوسائل الإعلام ، بصفتها مصدرا مهما للمعلومات. على أن المعرفة ، ليست نهاية المطاف، في الدلالة على مفهوم المثقف.. ولا دور الوسيلة الإعلامية.. كذلك، مقطوع فيه وحاسم، في (صنع) المثقف. المفهوم أوسع من أن يتمثل في الفنان، أو الأديب.. يستبطن بعض قضايا المجتمع، فيرسم لوحة أو يكتب قصيدة أو رواية، ثم تقدمه الوسيلة الإعلامية للجمهور.. فتصنع منه مثقفا. هو.. إضافة إلى قيمته المعرفية والفكرية، إنسان ملتزم وصاحب دور ريادي، وواع.. لكونه يستخدم (الوسيلة الإعلامية) .. متى ما أتيح له ذلك، لـ(يخدم) مجتمعه الكبير..العالم، ويخدم بشكل خاص، مجتمعه الصغير.. وطنه وبيئته، التي يعيش فيها. بمعنى أن حرفته، بوصفه (مثقفاً)، تتجلى أكثر.. في الوصول إلى الجماهير، عبر وسائط اتصال جماهيرية.. وسائل الإعلام، بما يجعله يوظف (المعرفة)، في سبيل القضايا العامة. هو في هذه الحال، من يمنح الإعلام (قيمة) ثقافية.. و(يصنع) منه شيئا بقيمة معرفية، ويضيف لدوره، وظيفة ثقافية واجتماعية.. مقابل التضليل، والإسفاف، والمضامين التافهة.. التي يوصم بها الإعلام. هو أيضا.. بحكم التصاقه بالهم المجتمعي، يضفي عليه (مصداقية)، مقابل الشك والتوجس ، الذي يعاني منه الإعلام ، بسبب علاقته بمؤسسات السلطة.
الموقف الجوهري، الذي يجعل من وسيلة إعلامية ما، وسيلة ناقلة، أو منتجة للثقافة.. أو صانعة للمثقف، يتمثل في مدى قدرتها.. على اختراق (الوعي) الجماهيري للمجتمع، وصنع حالة (حضور) له. الوعي تنتجه الثقافة عبر أدواتها، والمثقف هو الذي ينشط ، من أجل تكوين هذا الوعي وتأسيسه.. والتقدم به في مجال الفعل البشري، بتوظيف أدوات الاتصال الجماهيري. ذلك.. أن التغييرات ذات الطبيعة الحضارية .. بما فيها صنع الثقافة، هي في الأساس عمليات اختراق واعية ومقصودة.. تتخلق، من خلال فهم آليات عمليات التحول الاجتماعية، التي تحكمها قوانين الحركة السياسية، والاقتصادية، والثقافية للمجتمع.
تمارس الوسائل الإعلامية، دوراً حضارياً ناقداً، من خلال التفاعل الإيجابي، مع الحراك الاجتماعي والحركة الثقافية، فتتفاعل وتتعايش، مع مشاكل وتناقضات المجتمع عن قرب، بما يتناسب مع ظروف المجتمع الذاتية والموضوعية.. على ضوء منظومته القيميَة، ونسقه الثقافي. الوظيفة الانتقادية، والدور التفاعلي للوسيلة الإعلامية، هو في الوقت نفسه، شرط وجودي لتحقيق (المثقف)، من خلال ما يحققه من زعزعة التصورات السائدة .. السلبية.. التي تعوق التقدم، و نقض المفاهيم التقليدية الراسخة، حول (عصمة) النظام السائد.. بإثارة الأسئلة، وهز القناعات البالية، عبر الاتكاء على ثوابت، ومرجعيَة (مقدسة).. من أجل إعادة صياغة رؤية لحياة جديدة.

الثقــافة.. إذ يصنعها الإعلام

دراسات كثيرة ظهرت، تبين أثر الإعلام في صياغة هوية الشعوب الثقافية، والقدرة على إعادة تشكيل رؤيتها .. للكون والحياة. الإعلامي اللبناني رفيق نصرالله، أشار إلى شيء من هذا في كتابه : ” الأمن الإعلامي العربي : إشكالية الدور والهوية “. أرماند ماتلارت كتب عن : “الشركات متعددة الجنسيات والسيطرة الثقافية للأجهزة الأيدلوجية للإمبريالية”، ومثله كولن شيري في : ” الاتصال الدولي تهديد أم وعيد”. الدكتورة عواطف عبدالرحمن، تعد رائدة، ومن ابرز من ناقش هذه المسائل، من المثقفين العرب.. متابعة، ونقدا، واستقصاء.. في كتابيها : ” الإعلام والعولمة البديلة “، و ” الإعلام العربي وقضايا العولمة ” أما هربرت شيللر، فقد كشف في : ” غزو العقول” و” الاتصال والهيمنة الثقافية”، السطوة الهائلة لوسائل الاتصال الجماهيري، عبر سيطرة أباطرة الإعلام، على ما يقدم وينتج، من برامج وثائقية، ودراما تلفزيونية، وأفلام .. إضافة إلى سياسة التملك والاستحواذ، على كبريات الصحف و المجلات، ضمن مخطط يهدف إلى خلق ثقافة نمطية، تهيمن على العالم.
دخل العرب عصر الفضاء والاتصال منذ عقدين من الزمان تقريبا، وزادت فضائيات العرب، في آخر إحصائية، على 400 محطة تلفزيونية فضائية. بدأ عصر الفضاء العربي ، وهو ” عصر” له مفاهيمه، و(ثقافته)، ووسائله، واستحقاقاته .. متزامنا مع هاجس الهوية والحفاظ عليها، كما أشارت إلى ذلك تهامة الجندي في : ” الإعلام العربي : قلق الهوية وحوار الحضارات “. كان هناك باستمرار، (خطابا) شعبيا، يحذر من مغبة (الآتي من الفضاء)، فتنادى المهتمون والباحثون .. وكانت المؤتمرات وندوات النخب، التي دعت إلى ضرورة الحفاظ على الهوية، في وسط وابل من (الثقافات) الهابطة من الفضاء، وعلى وقع صيحات التحذير من الغزو الثقافي (الخارجي).
الملاحظة الأهم، على تعدد الفضائيات العربية .. التي لم تفرزها ندوات ومؤتمرات (الهوية) بالضرورة، هو دخول “الأمة” مأزق هوية و(ثقافة) حقيقي. لكن.. ليس مما يأتي من فضاء الآخرين، بل من هذه الفضائيات عينها. لم تعد (بي بي سي)، ولا (سي إن إن)، أو وكالات الأنباء الكبرى .. وغيرها من الفضائيات الغربية، هي مصدر الخبر والصورة .. والدراما بأنواعها، بما تحمله من مؤثرات ثقافية، على منظومة القيم، وملامح الهوية. الثوابت الثقافية، التي تمثل مشتركا للأمة، ولم تكن في يوم من الأيام محل خلاف، رغم الخلافات العميقة بين النظم السياسية العربية، أصبحت مهددة من الداخل . الفضائيات العربية.. من حيث تعلم، أو لا تعلم، قادت (الغزو الثقافي) ، وأدخلت الأمة في غربة، وحال من ضياع الهوية، أو(الهجين الثقافي).. كما يذكر الدكتور غسان سنو، والدكتورعلي الطراح في : ” الهويات الوطنية والمجتمع العالمي”.
ما هو نوع الثقافة التي تقدمها الفضائيات العربية؟ هل هي كما تقسّم عادة : ثقافة صفوة، من مثل تلك التي تتعاطى الفكر، والأدب، والفنون بأنواعها؟ أم ثقافة شعبية، تقدم التراث العامي المحلي، والفن الشعبي فقط ؟ أم موضوعها ومادتها، هو ما يسمى الثقافة الجماهيرية mass culture ، تلك التي تعتمد الأغنية، والمسلسل التلفزيوني الطويل، وتقوم على الترفيه الرخيص، الذي يخضع لقانون السوق التجاري والإعلان ؟ ربما بعض ذلك..! الأرقام وحدها تتكلم : أكثر من 280 فضائية عربية تقوم فقط ، على أغاني الفيديو كليب، والدردشة، والشعر العامي.. والسحر ..!

المثقف الإســـــلامي من هو..؟ وما عــلاقته بالثقافة والسلطة ..؟

وسِمَت العلاقة بين السلطة والمثقف الإسلامي ، بتاريخ من الصراعات. برز مصطلح ( المثقف الإسلامي ) ، مع تعبيرات أخرى .. لها نفس الصفة ، بعد سقوط ( الخلافة ) ، وتأسيس الدولة ( القومية ) الحديثة ، ذات النزعة العلمانية ، المجافية للدين .. وهو ما كان سبباً في نشوء الحركات الإسلامية . إلغاء الخلافة عام 1924 ، من قبل حزب جمعية الاتحاد والترقي العلماني، الذي استولى على السلطة في تركيا ، أحدث حالاً من الأسى والذهول ، لدى كثير من المسلمين.. قياداتهم الدينية والفكرية خصوصا، الذين كانت ( الخــــــلافة ) .. على ضعفها ، تمثل لهم ملاذاً ، ضد جحافل المستعمر الأوروبي، الذي نهب الخيرات ، وأشاع الفساد .
الحركة الإسلامية، التي قامت على المفهوم الشمولي للدين، بهدف استعادة دور الإسلام في حياة المجتمع المسلم ، اصطدمت منذ البداية بـ ( السلطة ) . الدولة الحديثة.. ( العلمانية )، التي قامت على أنقاض دولة الخلافة، بعد تقسيم الاستعمار لإرثها ..على أساس قومي وإقليمي، ومثلث بعنصريها الرئيسيين : القــــومية والعلمــــانية ، نقيضاً لــ ( دولة ) الإسلام .. ومصادماً لنظرية الحكم الإسلامية. إذ الإسلام يقوم على ( أخوة ) الدين .. وليس العنـــصر أو القـــــــــــومية ، والعلمانية تقصي ( حاكمية ) الله ، وتجعــل ( المشرع ) هو الإنسان .. لا الخالق .
الشعور بالاختلاف والافتراق ، بين الحركة الإسلامية ، والأنظمة السياسية الحاكمة ،خلق أجواء ( عدم ثقة ) ، وألقى بظلاله على العلاقة ، بين المثقف الإسلامي و( السلطة ).. التي يقع تحت نفوذها . اتسمت تلك العلاقة ، بعدد من الملامح .. أبرز مظاهرها :

* ظلت ( السلطة )، تتوجس دائماً من المثقف الإسلامي ، وتكيد له ، وتناصبه العداء .. وتتربص به .
* نُظِر لــــ ( مشروع ) المثقف الإسلامي على أنه : تهديد لــ ( الشرعية ) ، وذو طبيعة تآمريه .. وانقلابي بطبعه .
* اعتبر ( مشروع ) المثقف الإسلامي .. انعزالياً ، يهدد العلاقة مع الغرب .. وله موقف عدائي من الحضارة الغربية .
* لم تفرق ( السلطة ) ، في معاملتها للمثقفين الإسلاميين ، بين من يوصف منهم بالاعتدال ، أو ذلك المتهم بالتطرف .
* تعاملت ( السلطة ) ،في معظم أطوار علاقتها ، مع المثقف الإسلامي .. سواء بصفته الفردية ، أو من خلال المؤسسات والجمعيات التي ينتمي إليها .. بتوحش : فقتلت ، وسجنت ، وحاصرت ، وأقصت ، ونفت .. وقطعت الأرزاق .
* أدى موقف ( السلطة ) الاستئصالي .. والعنيف للمثقفين ، والأفراد الإسلاميين عموماً ، إلى نشؤ تيارات عنيفة ، تشكلت بسبب المطاردات الأمنية المستمرة ، والاعتقالات ، والتعذيب داخل السجون ، والقوانين العرفية .. و( القضاء ) المنحرف .. الظالم في أحكامه .

المثقف الإسلامي.. والجماهير
هل المثقف الإسلامي قريب من نبض الجماهير وهمومها .. ؟
سؤال يبدو منطقياً .. إزاء واقع علاقة المثقف الإسلامي بــ ( السلطة ) . إذا كان المثقف الإسلامي منحازاً في ( مشروعه ) إلى الجماهير .. لماذا تخلت عنه ، وتركـته لــ ( السلطة )، تستفرد به .. انتهاكاً لحقوقه ، ومصادرة لمشروعه .. ؟ إذا كان مشروعه ( وطنياً ) ، يهدف إلى تعزيز الاستقلال ، ورفض التبعية .. لماذا وصفته الدوائر الرسمية بــ ( العـمالة ) ، ووصمة الخصوم.. اليساريون سابقاً بــ ( الرجعية )، ويصمه ( الليبراليون ) حالياً ، الوكلاء الحصريون للمشروع الأمريكي في المنطقة .. بــ ( الظلامية ) .. ؟!
عبر المثقف الإسلامي ، في أول انطلاق نضاله الدعوي والسياسي.. والثقافي، بعد صعود المد الإسلامي ، عقب هزيمة 67م ، واندحار التيار القومي العلماني، من خلال منابره (الإعلامية).. عن :

* القضايا الكبرى .. السياسية والحضارية ، مثـــــل تطبيق الشريعة ، وإقامة الخلافة ، والإرث الثقافي والحضاري للإسلام . هذه المسائل ، كانت اهتمامات وقضايا نخبة ، مما جعل المثقف الإسلامي ، بمعزل عن غالبية طبقات الشعب .
* ابتعد خطاب المثقف الإسلامي، ووسائل إعلامه، عن تطلعات رجل الشارع ، وحاجاته الأساسية. حيث ظلت الهموم اليومية .. للفرد المواطن ، في أدنى اهتمامات ، وأسفل أجندة تلك الوسائل. المثقف الإسلامي، انشغل بالأهداف الكبرى النظرية ، على ســــموها ، ولم يقترب من ( الهم ) اليومي للإنسان العربي .
* لــــم تكن قضية الحريات أساسية عنده .. بسبب المفهـوم الســـائد للحريات .. ( الغربي ) الجوهر ، الذي يعــــتدي على الدين ، ويتطاول على المقدسات، وعلى المستوى الأخلاقي ، يروّج للرذيلة، والتفلت الأخلاقي.. باسم الحرية الشخصية .
تَـعَامُـلْ المثقف الإسلامي بحذر ، مع موضوع ( الحريات ) .. لهذا السبب ، انعكس على موقف بعض النخب العربية الوطنية .. وتوجسهم ، من أي دور للإسلاميين في النشاط السياسي والثقافي . كما أن الإعلام الحزبي المضاد ، بشقيه .. الذي اعتمد مرجعية شرقية ( سوفييتية ) آنذاك، أو ذلك الذي يتبنى توجهاً ( ليبرالياً ) غربياً .. استغل هذه النقطة ، في تشويه صورة الإسلاميين لدى الجماهير ، ووصفهم بأوصاف، باعدت بينهم وبين قطاعات الشعب المهمشة .. التي قطعت الأنظمة شوطاً كبيراً.. من خلال ماكينتها الإعلامية الضخمة، في طمس هويتها ، ومصادرة حقوقها الأساسية .
* عدم الوضوح في مسألة حقوق الإنسان . إذ لم يبلور المثقفون الإسلاميون، رؤية واضحة في هذه المسألة ، واقتصروا على خطاب عام ، ينطلق من تكريم الإسلام للإنسان .
* تعدد الفهوم في مسألة حقوق المرأة ، وافتقارها لرؤية متماسكة .. حيث لم يحسم الإسلاميون موضوع المرأة ، ودورها في الحياة العامة .. وترك ممزقا بين الاختلافات الفقهية ، والعادات المحلية لكل بلد . هذا الموقف أعطى فرصة للانتهازيين ، لرفع ورقة المرأة في أكثر من مناسبة.
لقد امتهنت المرأة ،في ظل سيادة المفهوم الغربي لحقوق المرأة .. وغياب مشروع إسلامي ، يفعّل دورها الأسري والاجتماعي .. بوصفها جزءاً فاعلاً في المجتمع ، ويمنع التعدي عليها ، وانتقاص حقوقها المادية والمعنوية .. ويصونها من الاستغلال الغرائزي والشهواني .
* عدم الوضوح في مفهوم تداول السلطة .. وحق الفرد في الاختيار ، حيث ظل المثقف الإسلامي متردداً في رسم آلية للمشاركة الشعبية ، والانـــتقال السلمي للسلطة .. بسبب تلاعب الأنظمة في عملية الانتخابات . كذلك نجحت الآلة الإعلامية للسلطة .. ولبعض الأحزاب ، في صياغة ( صورة ذهنية ) مخيفة للواقع ، إذا آل الأمر للإسلاميين .

الفضائيات الإسلامية، هل تصنع ثقافة ..؟ : المملكة أنموذجا
هل توجد حاليا.. فضائيات، و وسائل إعلام (إسلامية)، تسهم في تشكيل ثقافة، و(صناعة) مثقف، يتجاوز المأزق الذي وقع فيه المثقف الإسلامي (الأول) .. حول ماهية الثقافة، ودور وسائل الإعلام .. في (صنع) المثقف ..؟
في المملكة العربية السعودية حراك ثقافي، لكنه غير صحي .. من وجهة نظري. الذي يحدث الآن صراع ، أكثر منه تفاعل . أحداث سبتمبر أفرزت تياراً يسمّي نفسه ( ليبرالي )، اعتمد مبدأ الخصومة مع واقع المجتمع السعودي المتدّين والمحافظ جداً . نخبوية الليبرالي ، جعلته غير قادر على (صنع) ثقافة، أو إحداث تحوّل اجتماعي ، بطبيعة جماهيرية .. رغم أنه يسيطر على وسائل الإعلام، مما جعله ( ظاهرة صوتية ) ، بلا رؤية ، ولا برنامج .. ويفتقد لعمق شعبي. صارت وسائل الإعلام .. بسبب ذلك، ساحة لتصفية الحسابات، الشخصية والأيدولوجية.. بدل (صناعة) ثقافة.
يأخذ الحراك الثقافي الآن في المملكة ، بين الليبراليين والإسلاميين.. عبر وسائل الإعلام تحديدا ، شكل ( المناوشات ) وليس ( الحوار ) ، ويعتمد ( الإقصاء ) وليس ( التعايش ) .. هدفاً لحسم الصراع . الليبراليون يلوذون بالسلطة ، ويستعدونها على مظاهر التدين ، ويلوّحون بالبعد ( الديني ) للإرهاب .. مستغلين الــ ( فوبيا ) ، التي انتابت الدولة ، من موجة العنف والإرهاب ، التي اجتاحت البلاد ، ورفع منفذوها شعاراً ( إسلامياً ) . الإسلاميون في المقابل، عبر ما يتاح لهم من منابر (إعلامية).. مثل الإنترنت، في حملتهم ضد الليبراليين ، يذكّرون السلطة بالأساس الديني ، الذي قامت عليه الدولة ، وتقوم عليه شرعيتها ، ويحذرون من الاستجابة لضغوط الليبراليين ، الذين يصفونهم بـ ( الطابور الخامس ) ، الذي يَسْتَقْوي بالخارج .. الأجنبي. وضع كهذا.. لا يمكن أن يخلق ثقافة، فضلا عن أن يصنع مثقف.
للمملكة العربية السعودية وضع خاص ، في التعاطي مع الشأن الثقافي . هناك معطى ديني رسالي، ومعطى تاريخي، وآخر جغرافي، يصوغ قدر المملكة . من هنا.. فإن (إعلاما) يناصب كل ماهو ديني العداء ..على إطلاق، ويتجاهل البعد التاريخي والجغرافي، للوطن والمجتمع، من خلال معادلة حدية، تجعل الإرهاب والتطرف معادلا للدين.. لن يساعد في فهم المشهد الثقافي المحلي.. فضلا عن أن يكون له دور في صناعة ثقافة.
ابتداءً .. سيطرت لعقود ، على الحياة الثقافية في المملكة ، ثقافة دينية محافظة جداً ، وبلون واحد . بقدر ما كرّس هذا الوضع ، سطوة باتجاه أحادي .. وحد الحالة الثقافية للبلاد، وساعد في تماسكها ووحدتها سياسيا وجغرافيا، فقد خلق كذلك ، حالاً من الوهن والسكون، في مجمل الحياة الثقافية . هيمن إحساس مطلق ، بالنقاء المعرفي والفكري ، فخلق شعوراً بالكمال ، وصار التنوع والاختلاف .. في غير القطعيات ، شكلاً من أشكال البدعة ، ومظهراً من مظاهر الانحراف .
ثقافة ( السكون ) التي سادت لفترة طويلة ، أفاقت على طوفان تداعيات أحداث سبتمبر ، لتكتشف أن السدود الثقافية التي أقامتها ، تحت مسميات الخصوصية والنقاء .. قد انـهارت . لا الخصوصية ، بحدودها الصغيرة .. صمدت ، ولا النقاء ، بواقعه الساذج البريء ، كان قادراً على النجاة ، من الطوفان المعرفي والثقافي المتنوع .. الذي صار يتدفق من مختلف مصادر المعرفة، وفي مقدمتها وسائل الإعلام.
الواقع الثقافي في المملكة ، نتيجة لذلك ، وجد نفسه أمام ثقافة متعددة المصادر ، لم يعد لها علاقة بثقافة ( السكون ) القديمة .. بل أحياناً تحمل نفساً عدائياً لها. الإسلاميون أمام هذا الوضع المستجد.. من خلال ما أتيح لهم من وسائل إعلام ، انقسموا إلى فئات. فئة بقيت على (خطابها) الأول، وتمسكت بالقديم السائد ، على أساس أنه هو طوق النجاة . هذه الفئة لم تستوعب حجم المتغيرات ، وظلت على الخطاب القديم ، الذي يبشر بالنقاء ، واستمرت تراهن على قواعدها .. التي أخذت تتقلص . فئة أخرى .. استوعبت الصدمة ، وأعادت صياغة خطابها ، وغيرت من ترتيب أولوياتها، و(أجندة) مشروعها. فئة ثالثة ، أحدثت الصدمة لديها خللاً أفقدها توازنها ، وانتهى بها المطاف، لتذوب في خطاب ( الآخر ) ومشروعه .

هل الفضائيات (الإسلامية)، تصنع مثقفا..؟ السؤال مازال قائما..!

أولاً.. وصف القنوات والفضائيات بـ(الإسلامية)، غير دقيق. لا توجد قناة إسلامية بالمعنى الشامل للكلمة، إنما هناك قنوات محافظة، بما فيها “المجد”. قناة المجد، وغيرها من القنوات، التي توصف بأنها إسلامية.. مثل: (اقرأ) و(الرسالة).. أو(الشارقة)، لم توجه خطابها أبداً للمثقف، وليس من اهتماماتها صنع المثقف، أو تشكيل ثقافة. بل هي قنوات محافظة، تسعى لنشر الوعي، والفقه الإسلامي. الأمر الثاني .. وهو مادار عليه النقاش. يبقى الجدل قائما، حول دور الفضائيات العربية عموما في المسألة الثقافية، وقدرتها على (صنع) مثقف.. أو تقديم ثقافة.

اترك أثرًا

Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.