3 1 8:38 ص 12 أغسطس,2008

 “هديل” قصة قصيرة

نجيب الزامل  -  14/05/1429هـ

najeeb@sahara.com.sa

.. في الخامسة والعشرين من عمرها غادرتنا هديل بنت محمد الحضيف، بعد أن نامت قبل ذلك، وكـأنها أرادت أن تمهد قلوب أحبائها ببطانة التوقع قبل أن تتركهم بلا واقٍ يمنع تآكلَ القلوبِ من لوعةِ الفراق.. وتترك فجوة كبيرة، وهذه الفجوة لا يملأها إلا من هو مثل هديل البنت التي تركت علامة مضيئة في تاريخ التدوين والفكر والرأي، وركـَزَتْ علـَما على سطح المجتمع سينبئ دائما بأنها مرّت من هنا، وأنها مرت كنيزكٍ برَق في سماءٍ ورآه الناس.. ولم تكن أبدا جسما معتما مثل ملايين الأجسام المعتمة في فلك السماء.
يا هديل أنت من هؤلاء المضيئين الذين يغادرون العالم وهو، بفضل عملهم وإبداعهم، أفضل مما كان عليه حين استقبلهم.
لو يا هديل استطعنا أن نعيش مئات السنوات قد لا يتهيأ لنا أن ننجز ما تنجزه نفس عبقرية في عمر قصير لم تتعد الخامسة والعشرين. فبوركت عائلة أنجبتك، فأفادت بك جموعا من صغار الأمة وكبارها.. وبوركت روحك يا هديل التي نامت هادئة بلا ضجةٍ، وغادرت عروساً لا يزفها في معارج السماء إلا مواكبُ صامتة من الإيمان والحسرات الدامعة، ومن غبطةٍ عميقةٍ جليلة لأعمالٍ عميقةٍ وجليلة.. وليلة رحلتِ يا هديل كان لا بد أن تشرق نجمةٌ جديدة في السماء، وإن كانت وهما نورانياً من خداع العَيان، فهي ضياءٌ باهرٌ حقيقيٌ في الوجدان..
أنت قصة قصيرة يا هديل، بدأت بسرعة، وقفلت الغلافَ الأخيرَ بسرعة، ولكنها قصة موشاة بأجل الأفكار والرؤى ودهشة العبقرية وصبغة رسالة لا تزول بمجرد زوال الأعمار.. وأنت ترحلين، ستبقى صبغتك التي لا يزيلها عامل الزمن وسيحيا بعدك، وسيحيا بعدنا، وسيأتي يومٌ تكون هديل نبراسا في حكاية لا تنتهي، وترنيمة لأم تدثر ابنها في ليلة شتاء، وتستمر الحكاية الأمثولة لمعلمةٍ بين طالباتها، وتبقى نبعا يعكس على صفحته عناقيدَ الأزاهر التي تضم ضفافـَه، وتطير أثيرا على مرّ الزمن الافتراضي في عوالم الإنترنت وملحمة المدوَّنات.. ستبقى هديل باعثة العاطفة، في زمنٍ ظننا أن العواطف فيه قحلت وتشققت أراضيها من وهج الجفاف، فإذا هي تفجرها نوافير تطير في الأجواء ترش ألوانها الخاطفة على خط الأفق. لذا وهي ترحل مضيئة تترك الإضاءة في المكان الذي رحلت منه..
هديل يا لك من امرأةٍ صغيرةٍ شجاعة.. لقد علمتينا كيف نصنعُ الأصدقاءَ والأحبابَ وذلك بأن نهتم نحن بهم، بدل أن نسعى لأن يهتموا هم بنا، وكان درسا من ألطف وأحب وأرقى وأصفى الدروس.
قرأت لك كثيرا متأخرا يا هديل – أفضل من ألا أفعل البتة – ورأيت أن محور نظرتك لوجودك ووجود الآخرين في هذه الأمة أن الشباب يجب أن يملكوا هم نظريات التغيير والتحفيز والتقدم وذلك عدما يملكون هم الأفكار، وأن الأيديولوجيات والتعصب وضيق الرؤية والعقل والولع في العناد والقسوة تجاه أي رأي مضاد هو لما تتملكنا الأفكار. وعجبت من هذه العبقرية البسيطة، وكنت أقول مقدرٌ لهذه البنت أن تقول الكثير للناس، ثم وعيت على رحيلك بأنك قلت كل ما أردت أن تقوليه، وأن الانسحابَ من الحياة أتاك وأنت أنجزت عصب الفكرة، ولم يكن لزاما أن تعيشي حتى تكسيها بالعضل والعظم.. فهذه مهمة تركتيها بحكمة بالغة لمن استفاد من عبرتك، وسيأخذ المشاعلَ من بعدك الفتياتُ والفتيانُ لإكمال الهرولةِ في ممرات جديدة تعد بالأمل والتفاؤل وتبحث عن سر نهضة الأمة بمكان في عقول وقلوب شبابها. الأذكياءُ يا هديل يعملون بجهدٍ لإكمال كل العمل، ولكن العباقرة يتركون أعمالا قابلة للاكتمال..
هديل، علمتيني أنت وأبوك الكثير، وتوجتِ معارفي بأننا مهما سعينا بجعل أولادنا كاملين، فإنهم بصلاحهم ونصاعة إنجازاتهم هم يشعروننا بالكمال. وأن من السهل أن يكون كل رجل والدا، وأن تكون كلا مرأة والدة، ولكن الإشراق الحقيقي هو الصعوبات التي يتخطاها الوالد ليكون أبا، وتتحملها الوالدة لتكون أمّا. وكانت أم هديل وأبوها أمّا وأبا بفضل الله عليهما بحسن نشأة هديل، وبإذنه بحسن ختامها.
لقد خلصت روح هديل، وأخذت دربها للملأ الأعلى، ولكن بعد أن أَترعت أرواحَنا بفيوض علمها وحبها وإبداعاتها وكفاحها من أجل عالم أفضل لبني وبنات جلدتها.
يقولون إن أفضل أكاديميات التعليم في حضن أم، وبرعاية صدر أم، وهكذا نشأت هديل، وهكذا كانت لما آن أوان الرحيل المؤقت من دنيا مؤقتة..
وبإذن صانع الوجود، وموجد الخلود، ستكون يا أم هديل، يا أبا هديل، ابنتكما بانتظاركما على بوابات الفردوس.

آثار على الدرب
عمر مالك
والله لقدنفعنى جدا هذا المقال.....وأشكرك ....ذادك الله علما ونفع الله المسلمين به
البنت الدلوعه
لو سمحتوا ابغ خطوات كتابته المقال النقدي ضروري اليوم ابغا ^~^
ساره
اشكرج واحمد ربي
اترك أثرًا


3 + 7 =