0 5٬913 12:01 م 12 سبتمبر,2011

 


حينما يرد مصطلح (التغريب)، فهو يعني بالضرورة، صبغ المجتمع.. أي مجتمع، بالثقافة الغربية وأسلوب الحياة الغربي. يدخل في ذلك القوانين، والتشريعات، ومنظومة القيم..التي تسيَر حياة الناس، بما فيها دور الرجل والمرأة في الحياة العامة، وطبيعة العلاقة بين الجنسين، ونمط العيش والعمل، وطرائق التسلية والترفيه، وطريقة اللبس.. بل حتى الموسيقى والفلكلور.

 التغريب هنا، يختلف عن التحديث والأسلوب العصري والحديث للحياة، الذي هو التعاطي مع التقنية وأساليب الإدارة الحديثة، والاستفادة من منجزات الحياة العصرية. لأنه.. لو كان الغرب فقط، هو من ينجز التقنية ويصنع التقدم التكنولوجي.. لجاز لنا أن نصف ذلك بالتغريب. لكن التقدم والتطور التقني، منجز بشري أسهمت وتساهم فيه كل أمم الأرض. بل إن أمة مثل اليابان، لها إسهامات في هذا المجال، تفوق معظم الأمم الغربية، من دول الإتحاد الأوروبي.

الخلاصة أن هناك تغريبا ( westernization)، وهناك تحديثا (modernization).. والفرق بينهما واضح. إذ ليس كل تقدم علمي وتطور تقني يعد (تغريبا)، كما أنه ليس كل ما يأتي من الغرب، هو عصرنة و (تحديثا). من المؤكد بناء على ذلك، أن هناك فرقا بين التحديث والتغريب. التحديث باختصار، استيراد التقنية و(توطينها)، أما التغريب فهو عملية ثقافية، تقوم على نبذ القيم والثقافة الأصلية، وإحلال القيم الغربية مكانها. التحديث  شكل من أشكال (المثاقفة)، أما التغريب فهو انسلاخ و(استلاب) حضاري، وتكريس للتبعية.

 

 

·         الزعم بأن التغريب (وهم) اخترعته مجموعة لتحارب أخرى، أو لتفرض سيطرتها على المجتمع، هو إدعاء ساذج جدا، للالتفاف على عملية معقدة وممنهجة جدا. مثل هذا الإدعاء يمكن ترويجه والضحك به على العوام، لاستغفال بسطاء الناس، لكنه لا يصمد أمام النقد والاستقراء الموضوعي. كما أنه ليس أمرا سريا، يتناجى به أشخاص في مجالسهم الخاصة. صحيح أن التخطيط لعملية التغريب، أمر يتم داخل غرف مغلقة، لكن تنفيذها يحدث أمام الناس، وفي الناس أنفسهم: في سلوكهم، وأسلوب حياتهم، ومؤسساتهم التعليمية والصحية والخدمية.. بل حتى في مسائل دينهم وهويتهم الثقافية. يلمسه المشاهد في مظاهر اجتماعية (تكرس) كأمر واقع، عبر دفع الفعاليات الثقافية والاجتماعية في اتجاه واحد، ومن خلال فعل مؤسساتي يفرض بقرارات تخدم توجها محددا، لايملك الناس أمامها حيلة، ولا يستطيعون لها دفعا. بعضها يتعلق في حقهم في التعليم، أو حقهم في المشاركة الثقافية والاجتماعية، أو حتى حقهم في الوظيفة والعيش الكريم.  

 

·         اعتبر فوكوياما في مقولته “نهاية التاريخ”، أن سقوط الأنظمة الشيوعية في الإتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية سابقا، وفشل النظرية الاشتراكية وتطبيقاتها في البلدان التي نشأت فيها.. مثل روسيا والصين، هو بحد ذاته (نجاح) للقيم الغربية المتمثلة بالديمقراطية في النظم السياسية، وحرية التعبير للأفراد، واقتصاد السوق في النظام الاقتصادي.. مقابل النظام الشمولي ودكتاتورية الحزب الواحد، ومصادرة حق التعبير، والملكية الخاصة، والاقتصاد الموجه في المعسكر الشيوعي. فوكوياما.. بناء على ذلك، رأى أن مسيرة تاريخ الحضارة الإنسانية، قد وصلت حدها، وبلغ أوجها ونهايتها، وأنه لم يبق شيء يمكن أن تسعى إليه البشرية، أو تتطلع له ..بعد هذا (التقدم) الذي أحرزته وتحقق لها، من خلال الحضارة الغربية. فوكوياما في ما سماه “نهاية التاريخ”، قاس وقارن بين ما عليه المجتمعات والنظم الغربية، وبين النظرية الماركسية، المصادمة للفطرة البشرية. نظرية حملت بذرة فنائها من بداية تشكلها، الذي فرض كواقع عبر ثورات دموية، و(عاشت) لستة عقود في ظل أنظمة قمعية متوحشة. ثم سقطت بسقوط تلك الأنظمة البوليسية، التي وفرت لها الحماية.

رغم أن مقولة فوكوياما، قد تم الرد عليها ودحضها في حينها، إلا أن الوقائع التي حدثت في السنوات العشر الأخيرة، نسفت (النظرية) من أساسها. على المستوى الأخلاقي سقطت الليبرالية الغربية في امتحان إدعاءاتها بالحرية والديمقراطية، وانكشف عوارها في أتون الحروب الدموية التي أشعلتها في العراق وأفغانستان، حيث القتل المخيف للأبرياء وتدمير مجتمعات بأكملها. شاهدنا (كذب) الساسة الغربيين، ليس على العالم (غير الليبرالي)، الذي يعتبرونه ..بمعاييرهم (الثقافية) أقل منهم، بل حتى على شعوبهم ومؤسساتهم التشريعية والأكاديمية. كذبة أسلحة الدمار الشامل، التي كانت مبررا لغزو العراق، سقطت ورقة التوت، وتعرت نظما تدعي الحرية والدفاع عن حقوق الانسان.. تسيرها مشاعر صليبية دفينة، وتنطلق بدافع من شهوة التسلط الامبريالي، وسلوك عصابات المافيا .. حيث الهيمنة والمال والمصالح الشخصية، فوق كل معيار أخلاقي.

 لم تكن فظائع المعتقلات العراقية، و(سجن أبو غريب) الرهيب، أو القتل العشوائي للأطفال والنساء في القرى الأفغانية والباكستانية، بطائرات بدون طيار.. هي السقوط الوحيد المدوي لليبرالية الغربية. بل شاهدنا أيضا، كيف سعت (الليبرالية) الغربية لحجب الحقيقة، وتكميم الأفواه.. بمنع وسائل الإعلام، وقتل الصحافيين.. لتغطية جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي تتم باسم الحرية وإقامة الديمقراطية، في العراق وأفغانستان.

اقتصاديا .. أسقطت الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة، عمود الليبرالية الغربية الثاني.. الاقتصاد، حين عصفت الأزمة بقلعة الرأسمالية العالمية، وضربت هزاتها الارتدادية اقتصاديات العالم، وأوقفت كثيرا من المجتمعات على شفير إفلاس. كانت هذه الأزمة وكذبة الحرية والديمقراطيات في حروب العراق وأفغانستان، هي الرد الأبلغ على مقولة نهاية التاريخ.. التي يدعي دهاقنة الليبرالية الغربية، أن الحضارة الإنسانية انتهت عندها.

 

·         لا أستطيع أن أدعي أن حملات استهداف المجتمعات العربية المسلمة, من قبل الغرب.. تلك التي بدأت عسكرياً بالحروب الصليبية, تسير في سياق (مؤامراتي).. بحسب الترتيب الذي ذكرت. المؤكد أن الغرب.. وهو في السياق التاريخي امتداد لـ(الروم)، دخلوا في صراع حضاري مع المسلمين.. لم يتوقف, منذ الفتح الإسلامي لمنطقة الشام الكبرى, التي تضم بيت المقدس وأكنافها: سوريا ولبنان والأردن وفلسطين.

التغريب..   ليس بالضرورة حلقة في سلسلة. لكنه جزء أصيل من أحلام الهيمنة والسيطرة، وتكريس مناطق النفوذ للامبريالية الغربية، عبر ما يسمى بالقوة (الناعمة).. حينما لم تعد الجيوش والقوة العسكرية صالحة لمثل هذه المهمات. في الذاكرة الجمعية لأوروبا (الروم) والغرب عموما، هناك توجس وخوف ونفور، يأخذ شكل الكراهية أحياناً.. من كل ما هو إسلامي. ليس على المستوى الشعبي فقط، بل حتى النخب. أطروحات صامويل هانتنقتون حول ” صراع الحضارات”.. حينما جعل الإسلام خصما للحضارة الغربية، وليس شريكا في البناء، أبرز مثال على هذا الشعور الصليبي القلق المتوجس من الإسلام..من حيث هو ثقافة وحضارة، تستعصي على التدجين والاحتواء. هذا القلق من الإسلام، لم يتوقف عند الحذر منه ومحاورته، بل تكرس عبر مساع حثيثة لاختراقه وإضعافه وهزيمته.  

 

·         بعث الحضارات القديمة.. التي سبقت الإسلام، وإثارة الفروقات العرقية والطائفية، ليست شكلاً من أشكال التغريب، إنما هي عملية إضعاف للهوية الإسلامية، وإحلال هوّيات بديلة، وتشجيع الولاء والانتماء.. لغير الإسلام. تشجيع ودعم الانتماء لغير الإسلام وقيمه الأصيلة، وإعلاء الولاء لحضارات قديمة، هو شكل من أشكال التفتيت، الذي يراد به تمزيق وحدة المسلمين. كما أن الانتماء لحضارات بادت، سوف يعزز التبعية للغرب. لأن مثل هذا الانتماء يمثل خصما حضاريا للإسلام الذي هزمها وحل محلها، وبسبب أنه أيضا مفرغ من أي قيمة أخلاقية أو نظام اجتماعي، فإن البديل المرشح ليملؤه ويمنحه (حياة)، هو المفهوم الثقافي الغربي، بنظامه القيمي والاجتماعي. الغرب كذلك، سيرعى مثل هذه الدعوات عبر مؤسساته (العلمية)، ويصنع منظمات (حقوقية) تدافع عن دعاتها، ويوفر لها دعما (ماديا) باسم الثقافة.. وهو ما يؤدي بالضرورة إلى التغريب.

 

·         لست من أنصار نظرية (المؤامرة)، مثلما أني لست مع القائلين بـ(الخصوصية) المحضة للمجتمع السعودي، التي تجعله مجتمعا ملائكيا، تتربص به الشياطين. إلّا أن الحقيقة التي لا يماري فيها إلّا جاهل أو صاحب غرض، أن هناك معطيات تاريخية وحضارية، تفرض على المملكة العربية السعودية، قدراً لا تستطيع أن تقفز فوقه. المملكة هي قلب الجزيرة العربية ..بلد الحرمين ومهد الرسالة ، و حصن الإسلام. هناك من يريد أن يكون لها خياراً غير الإسلام، ويتحدى بذلك ناموساً كونياً .. فهل يقدر على ذلك..؟

 المجتمع السعودي يتعرض لمحاولات تغريب حثيثة.. هذه حقيقة. هناك محاولات منظمة لحرفه عن قدره ومساره، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وما قيل عن مشاركة مزعومة لبعض السعوديين في تلك الأحداث، حيث حُمَلت المملكة .. دولة، وشعباً، وثقافة.. وزر تلك الأحداث، وجعلت المشاركة المفترضة لعدد من السعوديين فيها، ذريعة للانقلاب على كامل المنظومة الدينية، والنسق الثقافي، وأسلوب الحياة. هناك (أجندة خارجية)، وراء الحملة المنظمة والمستمرة على كل مايحمل طابعا إسلاميا : المؤسسات الدينية، الجمعيات الخيرية، المناهج الدراسية، المراكز الصيفية، والوضع المحافظ والمحتشم للمرأة.. وهناك (وكلاء محليون) لتسويقها. إذا كان فوكوياما يرى أن في “نهاية التاريخ”، وهيمنة (الليبرالية).. كما هي نتاح غربي محض، قدر لأمريكا والغرب، فإن “نهاية التاريخ” هذه .. بمضامينها (الغربية)، ليست قدرا للمملكة.. ولن تكون. ليس غير الإسلام .. منهجا وطريقة حياة، قدر للمملكة.

 

·         الذي يحدث في المجتمع السعودي نوعان من التحولات. تحولات اختيارية، وهي نتيجة طبيعية لأي مجتمع حي، يتفاعل و يتثاقف مع الأمم والثقافات الأخرى. نرى مظاهر هذا التحول في استيعابنا لأساليب الإدارة الحديثة، وفي توطين التقنية واستخدامها في كافة مناحي الحياة، وفي تحقيق منجز تنموي غير مسبوق في مجال تعليم المرأة، دون الوقوع في مأزق الاختلاط القبيح. نراه في أننا دولة ومجتمع عصري، أكثر بكثير من دول ومجتمعات كثيرة، اجتاحتها موجات التغريب، ولم تفلح في عصرنتها وتحديثها. نرى كل ذلك، ونحن ما زلنا مجتمعا محافظا، لم تشوه وجهه مظاهر التفسخ والانحلال، التي يصنعها التغريب.

  النوع الثاني من (التحولات)، هو (توجيه) قسري يفرض فرضاً بقرارات، لا تترك مجالاً للاختيار، انطلاقاً من رؤية فوقية تقول: “نحن نفهم أكثر منك، ونعرف ما يصلح لك.. ونختار لك الأفضل”. تحولات تغتنم ما تظنه (فرصة تاريخيه)، صنعتها ظروف طارئة، لتعيد صياغة وتشكيل المجتمع وفق رؤيتها.. بوحي من أجندة خارجية.

إن ما يجعل المجتمع السعودي أكثر رفضا ومقاومة لمشاريع التغريب، ليس لأن لديه شيئاً مختلفاً يميزه عن غيره من المجتمعات العربية، غير تلك التي فرضتها حقائق الجغرافيا والتاريخ.. وشرعية النظام السياسي. إن كون المملكة هي بلد الحرمين الشريفين، ومهبط الوحي، وقبلة المسلمين، ومهد الرسالة الخاتمة، يجعل من الاستحالة قدرا.. أن تنجح فيه  مشاريع التغريب. كما أن شرعية النظام السياسي، الذي استلهم واستوعب.. في بداية نشوئه وتأسيسه هذه الحقائق، تقف خطاً أحمرا، وجدارا صلدا، أمام محاولات يائسة، يعتقد أصحابها أن للتاريخ (غفلة)، يمكن العبث فيها بصيرورته.   

 

·         ليست المسألة أن الأفكار والقيم الغربية تخيف أو لاتخيف. من حق كل أمة ومجتمع أن يعيش حياته وفق الثقافة والقيم التي يؤمن بها، ويرتضيها أفراده لأنفسهم، ومن واجب قادته ورموزه والعقلاء فيه، صيانة معتقداتهم وقيمهم، وحماية أبناء شعوبهم من هجمة وتهديد (الثقافات المهيمنة). كل الأمم الحية تفعل ذلك. التبعية الفكرية والاستلاب الثقافي أخطر أشكال (الاستعمار) وشكل صارخ من أشكال العبودية، يؤدي إلى رهن مقدرات الأمة للمستعمر الخارجي. الهند التي حققت قفزة علمية وتقنية تثير الإعجاب، بثقافتها الهندوسية الغالبة، التي تقوم في جزء كبير منها على الخرافة، وأشكال من الوثنية البدائية، لا تتردد في مقاومة التغريب، ولا (تستحي) من ثقافتها تلك. بل لم يفكر أحدا من نخبها أن يتبرأ من ثقافته، أو يعزو إليها شكلا من أشكال التخلف.

 القيم الوافدة تصبح مصدر خوف وقلق، حينما تتم قولبتها في قوانين، وتفرض على الناس بدعوى التطور. عندما يوضع الفرد في موقف يطالب فيه أن (يستحي) من ثقافته.. ليتبرأ منها، بوصفها شكلا من أشكال الإعاقة، مسؤول عن كل مظاهر التخلف، وأن عليه أن (ينسلخ) من كل ما آمن به.. وظن يوما أنه دين وحضارة له، ويعتنق منظومة أفكار يقرر غيره.. بغير إيمان منه هو، وضد إرادته الشخصية، أنها هي ما يحتاجه، إن أراد أن يكون (مواطنا سويا) يتمتع ببعض الحقوق. حينما  يفقد الفرد حقه في الاختيار، ويصبح أمام تغيير قسري للذي يؤمن به .. فيجب أن نخاف. لأنه ليس أخطر على استقرار المجتمعات، من فرض (الأجندات الشخصية)، بوصفها اختيارا جماهيريا، ومصلحة وطنية.

 

·         المرأة عنصر جوهري في أي عملية تحول، أو تغيير اجتماعي. كما أن التغريب في خطواته الأولى، لا يستهدف الأفكار والثوابت المقدسة مباشرة، بل يستهدف نمط السلوك وأسلوب الحياة، قبل أن يتحول إلى منظومة قيم وطريقة تفكير، يتم (فرضها) عبر شرعنتها وتقنينها. لذلك .. تكون المرأة هدفا سهلا ومنطقيا، لحملات التغريب. الدور الجوهري والأساسي للمرأة في الأسرة والمجتمع، يجعل تغريبها عبر استغلال أشكال ظلم تقع عليها، أنسب الأساليب وأسرعها وأكثر مظاهرها وضوحاً. لأن (المثال) الذي سيقدم حينها، الحديث بصوت مرتفع عن، (ظلم) نعاني منه المرأة السعودية، مقابل (المكتسبات) التي حققتها المرأة الغربية، وفي مقدمتها حريتها المطلقة.. التي تعني ضمنا، الحرية (الجنسية).

 

·         التظاهرات الثقافية، أو المنتديات الفكرية والاقتصادية، التي تتحدث عنها، ليست معبرة عن حالة أو وضع تحتاجه المرأة السعودية، بقدر ما تمثل (أنموذجا) لترويج حالة مراده ومقصودة.. لخدمة (أجندة) مشبوهة، يمكن تطويرها إلى ظاهرة، ومن ثم تمريرها لتكتسب قبولا شعبيا، وصفة رسمية..ومن بعدها تكون واقعا لا يمكن تغييره. لم يناقش أي من هذه التظاهرات أو المنتديات، المشاكل الحقيقية للمرأة السعودية. هناك مشاكل طلاق، وعضل، وتعد على الميراث، وتعليق للمرأة، وحرمانها من حقها في حضانتها لأطفالها، وغمط لكثير من حقوقها التي كفلتها لها الشريعة. هناك أرامل ومطلقات أذلهن الفقر، ليست من اهتمام هذه التظاهرات والمنتديات. هناك بطالة بعشرات الألوف بين نسائنا الجامعيات.. تستغل لدفع المرأة لتعرض نفسها، في بيئة موبوءة بالاختلاط. هذا ماتهتم به هذه المنتديات. إنها تظاهرات ومنتديات (نخب)، تشتهي أن تفرض أجندتها على العموم، لتعيش بشكل (طبيعي)، حياتها وشهواتها التي اعتادت عليها في عطلها الصيفية، وحياتها الخاصة.

 

·         الإعلام السعودي ليس واحداً. هناك بعض القنوات الفضائية التي يملكها سعوديين، تقوم بدور (تغريبي) خطير.. على مستوى العالم العربي كله. إعلام يمارس هجوماً ممنهجاً ضد الثوابت الأخلاقية للمجتمعات العربية المسلمة، وأسهم في خلق جيل كامل، يعاني من تشوهات عميقة في سلوكياته وطريقة تفكيره، بسبب سيل (الرسائل) الإعلامية المنحرفة، المصادمة لنسقه الديني ومنظومته الأخلاقية .. الذي تنهمر عليه، من خلال البرامج والدراما الغربية. لقد أصبح عددا من الفضائيات (السعودية)، معبرا للثقافة (الهابطة) ونمط الحياة الغربية، ووسيلة لتطبيع العلاقات المحرمة بين الجنسين، من خلال كم هائل من البرامج والدراما الغربية المترجمة والمدبلجة. هناك (اغتراب) حقيقي داخل المجتمع، لدى نسبة عالية من الأجيال الشابة، بسبب الثقافة الهجينة التي تخلقها بعض الفضائيات، وبعض مواقع الانترنت.

 

·         لا شك أن تعدد المرجعيات الإسلامية، يوجد حالة من الارتباك في الشارع الإسلامي. رغم أن تعدد الأراء والاجتهادات في التراث الفقهي الإسلامي، حول مسائل معينة في العبادات والمعاملات، هي واحدة من أبرز السمات الجميلة، ومظاهر التنوع والتيسير في الفكر الإسلامي. الذي حدث أن هذا التنوع والتيسير، استخدم من قبل البعض للانقلاب على الأولويات، وتم توظيفه لخدمة أراء ومواقف واجتهادات شخصية، أكثر منه إثراء للحوار مع الغرب، والتفاعل مع الثقافة الغربية، والاستفادة من إيجابياتها.

هناك أيضا قاعدة فقهية مهمة .. وهي: “درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة”. تجاهل هذه القاعدة المهمة، هو جزء مقصود من لعبة العبث بالأولويات، وتسويق بعض المفردات السلوكية على البسطاء.. بمعزل عن سياقها الثقافي، وهو ما يصنع الجدل الذي تحدثت عن وجوده. هو كذلك، ما يدخل فئات من الشعب في معارك هامشية مع بعضها، تستنزف فيها طاقتها وتهدر قدراتها، وتعطل عجلة التنمية.

 

·        من المؤكد أن أعمال العنف والإرهاب، أعطت وكلاء المشروع الأمريكي في المنطقة فرصة تاريخية، لإحداث خرق في جدار الثقافة المحلية، والسعي لاختراق بنية المجتمع ونسيجه الأخلاقي. كانت أعمال الإرهاب مسوغاً لتمرير (أجندة) مخطط لها، فاستهدفت معظم الظواهر والمؤسسات الدينية، بدعوى أنها تمثل (محاضن) للإرهاب. كما تم تسويق المفاهيم والسلوكيات الغربية الحالية، باسم تجفيف منابع (التطرف)..!

ليست القضية أن يروج وكلاء المشروع الأمريكي، ممن يسمون بالليبراليين، لفكرة سخيفة: مسؤولية الإسلام عن الإرهاب (!!). القضية هي أن يتبنى بعض العقلاء هذه الفرية. أليست المناهج التي (تتهم) بأنها مسؤولة عن التطرف، هي نفس المناهج التي درسها ونفس المدارس التي تخرج فيها كل مسؤولي الدولة قبل أحداث سبتمبر ؟!! كم عدد الذين اعتنقوا الفكر المتطرف من السعوديين، وانخرطوا في أعمال عنف.. مقارنة بعدد المواطنين الذين تخرجوا من نفس المدارس، وتعلموا نفس المناهج، التي تتهم بأنها مسؤولة عن (الإرهاب)؟!!

استهداف الظاهرة الدينية في الداخل .. فكرا ونشاطا ومؤسسات، ليس إلا صدى لحملة عالمية قادتها الإدارة الأمريكية اليمينية السابقة في حربها على الإسلام، باسم الحرب على الإرهاب، الذي دشنته في غزو أفغانستان والعراق. المتدينون في المملكة ظاهرة أصيلة، تجدها في كل مظاهر التنمية: أطباء متميزون في المستشفيات، علماء وأساتذة مبدعون في الجامعات، مهندسون وصيادلة وقانونيون .. ومن كبار التجار ورجال الأعمال. لذلك .. فالمزايدة على التقدم والتطور والتنمية باسم (الليبرالية)، ومحاربة التشدد دعاية فارغة، للتستر على أهواء شخصية، وأجندة خارجية.

 

د. محمد عبدالرحمن الحضيف

 

·        تم نشر الموضوع على جزئين في صحيفة الجزيرة

 

 

اترك أثرًا

Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.