1 1٬942 7:48 م 14 يوليو,2012

قبل عام اتصل بي الصديق العزيز الأستاذ خالد الباتلي، وطلب مشاركتي في مقابلة، هي واحدة من سلسلة مقابلات سيجريها مع شخصيات، سوف تنشر تباعا كل أسبوع، في صحيفة الحياة. اعتذرت لخالد و قلت إني أجد في نفسي صدودا عن الكتابة..لكنه أصر، وأرسل على بريدي 50 سؤالا. ثم اتصل وقال: نريدها بعد عيد رمضان مباشرة.

حاولت الكتابة، مع إلحاح خالد المتواصل عبر رسائل الجوال، ومن خلال إتصالات..بعضها أرد عليه، وبعضها لا..! مضى رمضان ثم مضى بعده الحج، وأنا لم أفعل شيئا..حتى خجلت منه، حين وصلتني رسالة تقول:”لن نهزم برد الشتاء، إلا بدفء حروفك”. شرعت في الكتابة..وقلت لخالد (مهددا)، طمعا بأن يعفيني من الكتابة: لن تتحملوا في الجريدة صراحتي.. لقد رفعت سقفي جدا. رد علي: هذا ما يجعلني أتشبث بك أكثر.

بدأت الكتابة، بالإجابة على أسئلة منتقاة من الخمسين سؤالا (50). اهتميت بالأسئلة المعنية بالشأن العام، وضربت صفحا عن الأسئلة، ذات الطبيعة الشخصية. حين انتهيت..وراجعتها أكثر من مرة، أرسلتها لخالد. جاءني رده: أقصى ما نستطيع نشره 3800 كلمة، وإجاباتك تقترب من 6000 كلمة. حاول أن تحذف بعض الإجابات. عدت للمقابلة، وشرعت في عملية إختيار دقيقة ومتعبة للإجابات، حتى ألتزم بالرقم المطلوب من عدد الكلمات.

حين تم المطلوب وأعدت إرسالها، اعتقدت أن كل شيء انتهى.. ولم يبق إلا النشر حسب الموعد المحدد. حين مضى اليوم الموعود للنشر..ولم تنشر، اتصلت بخالد أسأله..فقال: رئيس التحرير غير موجود، والمسؤول عن الصفحة رفض النشر وتحمل المسؤولية، إلا بحذف بعض الإجابات..!! رفضت هذا الإقتراح..فقال خالد، دعنا ننتظر وصول رئيس التحرير، واعتقد أنه سيحل الأمر. انتظرنا أسبوعا آخر، ليتصل علي بعدها خالد.. ويعتذر قائلا: رفض رئيس التحرير النشر. قلت له: كنت أعرف أنكم لن تتحملوني.

شكراً للرجل الشجاع الجميل خالد الباتلي، الذي تحملني لعام كامل. شكرا لصبره ومهنيته وشجاعته الأدبية.. وهاهي المقابلة بين يديكم، في (خيمة) صاحبها.. لتحكموا عليها، أنتم قرائي الأعزاء الجميلين.

                    *         *        *        *        *        *         *        

1- كيف ترى موقع جيلكم بين الأجيال التي مرت على بلادنا ؟

 أرى أننا جيل محظوظ، كان شاهداً ومشاركاً بفعالية، في كثير من التحولات الفكرية والاجتماعية ..وحتى السياسية، في المجتمع السعودي.هذه الفترة التي تمتد من 1980 إلى 2000 تقريبا، شهدت معظم التحولا ت الجذرية..محليا وإقليمياً. ابتداء من تنامي الصحوة الإسلامية، التي امتد أثرها إلى كل تفاصيل المجتمع السعودي، مرورا بحادثة اقتحام الحرم المكي الشريف، وتداعياتها على الواقع المحلي، ثم أصداء ثورة إيران، وبعد ذلك الحدث الأكبر.. غزو الكويت، الذي قلب المشهد المحلي والإقليمي رأسا على عقب، وكانت له إنعكاساته التي لم تتوقف، على وضع المملكة الإجتماعي والسياسي، منذ تاريخ ذلك الحدث..ثم انتهاء بأحداث سبتمبر، وأثارها العميقة داخليا وخارجيا.
في هذه الأحداث، ترك جيلي بصماته الواضحة. فجيل “الصحوة الإسلامية” الذي أنتمي إليه، شكل وعياً اجتماعياً وسياسياً، غير نخبوي وغير طبقي، لدى كل فئات الشعب..خصوصا الشباب، إضافة إلى مساهماته في كل مناشط الحياة العامة. كما ساهم في تقديم المجتمع السعودي في كثير من المحافل العربية والدولية. من ذلك، دوره الجوهري في تطوير العمل الخيري عالميا، ما أدى إلى تكريس دور ريادي للمملكة في العالم الإسلامي، وصناعة صورة إيجابية للدور الإسلامي والإنساني للمملكة. كما قاد كثير من أبناء جيلي، الحراك الثقافي والتحولات الفكرية والإجتماعية، التي صاحبت تلك الأحداث، وما نتج عنها من تطوير لكثير من المفاهيم الشرعية والسياسية. من جيلي أيضا، كثير من المتعلمين وحملة الشهادات العليا ،الذين ساهموا في مرحلة تنموية مهمة للمملكة، وكانوا من بين أبرز التكنوقراط الذي تسنموا مراكز قيادية، وقادوا المملكة خلال فترة الطفرة الإقتصادية، وما بعدها.

2- ظاهرك هاديء، لكن تسكنك شراسة لاحدود لها .. كيف تكونت هذه المعادلة ؟

أظن أني هادئ ظاهراً وباطناً، والكلام عن (شراسة) لا حدود لها، لم أسمع به إلا هذه المرة. الشراسة التي تشير إليها، ربما لا تعدو أن تكون (سوء فهم) من أفراد لا تتفق طبيعة شخصيتي مع طبائعهم الشخصية . قد يرى بعضهم أن موقفي المبدئي من قضايا كبرى وجوهرية.. الذي لا أساوم عليه، على أساس من قناعاتي الفكرية، لايتفق وحساباتهم، في زمن يغير فيه بعض الناس مواقفهم، بناء على أجندات خاصة وحسابات معينة. ربما من المناسب هنا التفريق بين (البراغماتية) والإنتهازية، حيث الأولى إتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب..وفق مصالح معينة، دون التفريط بالمبدأ. بينما الثانية، تزوير الموقف باسم العقلانية، لتحقيق مكاسب شخصية عاجلة ومنافع رخيصة.


3- مشاكستك ومناكفتك، هل حرمتك من شيء ؟

 الحرمان شيء نسبي يتفاوت الأفراد في تحديده. هل هناك أغلى من الحياة للإنسان؟ هل تذكر قصة الغلام ، الذي قدم حياته ليؤمن الناس؟ لم ينظر لفقدانه حياته، أنه شكلا من أشكال (الحرمان)..! لذلك.. يختلف الحرمان باختلاف (الأجندات) الشخصية للأفراد. الحرية لا يشبهها شيء، ولاتقاس بآخر غيرها، وليس لها ثمن. أن تمتلكها، وتكون حراً بنفسك وقرارك..و(تفقد) بسبب ذلك امتيازات معينة، لا يسمى هذا حرمانا. الحرمان الحقيقي كما أفهمه، أن تقدم على ربك مفلسا، بعت دينك بعرض من الدنيا،أو أسوأ من ذلك.. بدنيا غيرك، أو ظلمت الناس، فأخذ من حسناتك لحسناتهم، وأضيف إلى ميزانك من سيئاتهم.

4– في تفاصيلك رومانسية عذبة، إلى من تدين بها ؟

 أؤمن بتقاسم المورث الجيني والبيئة في تشكيل الإنسان. والدي رحمه الله كان (عاشقاً) من طراز أنيق. يحفظ كثيراً من الشعر النبطي الذي يفصح عن (هوى) القلوب. استمعتُ إليه متحدثا يأخذ لب السامع، وأنصتٌ إليه حادياً. كان حين ينشد بصوته الجميل..وهو الرجل الذي عاش حياة البادية وهام بها، تتداعى الجدران لحدائه.. ويكاد يحملني لحنه العذب فوق الغيم. كما أن أمي رحمها الله، كانت عاشقة من طراز نادر وصامت. أحبت أبي عميقا. تتيمت به، ورأت فيه فارسها الصلب الشجاع الكريم. كان فارسها في الغرام، في أكثر من لقاء خاص جمعنا، كنت أحس وهي تتكلم عنه، كأنما تتلو قصيدة حب. حين تحكي، تتدفق الحكاية من بين شفتيها مطعمة بابتسامة تتسلل برفق بين الكلمات، وحين تقول:”أبو محمد” تبلغ ذروة هيام، يبرق فيه العشق من عينيها . ما ورثته عن أمي وأبي..ذلك الحنين لوشوشات القلب،وحكايات حب عذري تهمس بها الشفاه، وتنطق بها العيون.. أضفت إليه ما اكتسبته من البيئة المحيطة. قرأت كثيراً في كل ما تحدث به المحبون والعشاق، وهم سادة الرومانسية. قرأت للعذريين، وتوقفت كثيرا عند النسيب في مطالع قصائد المتنبي، وتذوقت عذب الكلام لدى شوقي.. وبكيت مرارا مع ابراهيم ناجي في “الأطلال”، وأظنني ولدت عاشقا ومحارباً.


5- ما الفرق بين بريطانيا وأمريكا في الفلسفة الإعلامية، ولماذا حرصت على التنقل بينهما في دراستك العليا ؟

 درست الماجستير في أمريكا، ثم انتقلت في مرحلة الدكتوراه إلى بريطانيا. انتقالي لم يكن له علاقة بفلسفة تدريس الإعلام في كلا البلدين، بل لظروف أخرى إدارية بالدرجة الاولى. كانت التجربة غنية جدا، رغم أني كنت مترددا في الإنتقال في البداية..لأن أمريكا تملك إغراء أكثر، بسبب ديناميكية الحياة وسرعة إيقاعها..وهذا خلاف إيقاع الحياة في بريطانيا، إلا أن التجربة كانت أفضل من المتوقع، فأتاحت لي فرصة ثمينة، للتعرف على ثقافتين ومنهجين في التعليم مختلفين.
المدرسة الأمريكية في الإعلام لا نظير لها، والعالم كلّه عالة عليها: أساتذة وباحثون ومؤسسات.. ونظريات. حوّل الأمريكيون الإعلام إلى صناعة ضخمة، فتحول إلى (مارد) له ذراعان هائلان ؛ النفوذ والمال. طبيعة النظام السياسي والاقتصادي الأمريكي، هيأت أرضا خصبة، ليصبح الإعلام علما وفناً قائما بذاته، ومؤسسة تقوم على الربح، كجزء من آلية اقتصاد السوق. لم يكن الإعلام ليكون بهذه السطوة والنفوذ والتأثير، لولا مناخ الحرية الواسع في الولايات المتحدة. في كثير من الدول..غير أمريكا، حتى أوروبا، الإعلام مؤسسة، ضمن مؤسسات المجتمع الأخرى، مقيد بقيود كثيرة، بعضها سياسي وأكثرها ثقافي. في أمريكا يكاد الإعلام أن يكون هو:”المؤسسة” وليس مؤسسة، التي تتخلل كل تفاصيل ومكونات المجتمع الأمريكي. لما تحول الإعلام إلى مؤسسة، اقتحم عالم المال واقتحم دهاليز السياسة، فصارت له سطوة واكتسب هيمنة. لايمكن أن تفهم لماذا هو الإعلام في أمريكا مختلف عن غيره من الدول، حتى تعرف كيف حول الامريكيون الإعلام إلى قوة، لها فلسفة تقوم على الترفيه والتأثير، لتكديس الثروة، ولها رؤية تسعى لخلق السطوة، للسيطرة على الرجال والمؤسسات.

6- أمريكا منحتك بعض الأبجدية الإعلامية، إلا أنك سيف مسلط عليها. ألا تستحق منك بعض البر والمعروف بالفضل؟

 تجربتي في أمريكا غنية. غير التعليم الجيد والشهادة العليا الذي حصلت عليهما من هناك، أدين لتجربة الدراسة في أمريكا بنضوج وعيي السياسي والحقوقي. في أمريكا كان لي صداقات مع زملاء أمريكيين وغير أمريكيين، قامت على الاحترام المتبادل. تقديري لأمريكا..يأتي بوصفها بلداً متقدماً، منحني تعليما جيدا، وأضاف كثيراً لرصيدي المعرفي والسياسي والحقوقي، أثناء فترة إقامتي للدراسة فيها. لكن هذا التقدير و(العرفان)، لايمنعني من نقد وإدانة السياسة الخارجية الأمريكية (الإمبريالية) ، التي طال أذاها أمتي في فلسطين والعراق وأفغانستان. بل إن المناخ الديمقراطي وحرية التعبير، التي تأثرت بها أثناء وجودي هناك، هو ما علمني الجرأة في النقد، والانحياز للحق ضد غطرسة القوة. البر والمعروف الذي تتحدث عنه، يكون برفض سياسات التسلط الأمريكية، وتذكيرها بقيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، التي تكفلها لشعبها، وتمنعها عن باقي شعوب العالم..انطلاقا من نظرة تفوق عرقي، وفوقية ثقافية عنصرية.


7- تدين كثيرا لسنوات ابتعاثك. هل ترى في برامج الإبتعاث دورا بارزا في تنمية أوصال المجتمع ؟

لا شك أن الإبتعاث رافد مهم من روافد التنمية. بدون الإبتعاث، ماكان يمكن لنا أن نمتلك مؤسسات تعليم عال متطورة، ولا باحثين متميزين. كما أن الإبتعاث قدم لنا في سنوات الطفرة الإقتصادية كفاءات إدارية، قادت مؤسسات مهمة في المملكة، أبرزها “الهيئة الملكية للجبيل وينبع” التي كانت طليعة المسيرة التنموية، وصنعت علامة جودة محلية خاصة بها.. متقدمة، وبمعايير عالمية . لاتقف إيجابيات الإبتعاث عند اكتساب معرفة إدارية وعلمية عالية، بل إن الإبتعاث، إذا ماتوفرت ظروف موضوعية معينة له، يمثل فرصة تلاقح ثقافي وحضاري، لها أثارها البعيدة والجيدة، على الفرد ومجتمعه الذي يمثله.
الابتعاث ليس رحلة دراسية فقط، بل منظومة متكاملة: تعليمية، واجتماعية، واخلاقية، وثقافية.. وأمنية. إذا اختل، أوسقط واحد من هذه المكونات، يحدث تشوه في المخرجات. الذي يحدث الآن أننا..في الغالب، نرسل الطلاب إلى الخارج ليتعلموا، بطريقة أشبه ما تكون بلعبة (يانصيب). على الجانب التعليمي،في معظم الحالات، لا توجد آلية دقيقة لاختيار المبتعث، ولا لمجال الدراسة الذي سوف يدرس فيه الطالب، بحيث تتواءم مع قدرات الطالب ومخرجات السوق. بل حتى الجامعات التي يتعلم فيها، يفاجأ الطالب أحيانا انها غير مصنفة وغير معتمدة علميا من قبل وزارة التعليم العالي.
على الجانب الثقافي والاجتماعي والأخلاقي، لم يكن برنامج الابتعاث لإعداد الطالب، بنفس الطموح والحماس. عدم تأهيل الطلاب وإعدادهم ثقافيا وفكريا، أوقع بعضهم في مشاكل كثيرة..بعضها ديني وبعضها أخلاقي، مما أنعكس على أدائهم العلمي، وظهرت أثاره على سلوكيات بعضهم. المبتعث قبل ان يكون طالبا، هو عضو في المجتمع، سوف يؤثر فيه حين عودته، بحسب ما اكتسب من تجربة سلوكية وثقافية. الحكم على سلبية أو إيجابية ما اكتسب من تجربة ومعارف، تتحدد بحسب موقفه من ثقافته الأم، وطبيعة وشكل تفاعله مع الثقافة الجديدة، وحجم (الاغتراب) الذي يقع له تجاه ثقافته ومجتمعه وبلده. الفشل الدراسي، ليس أسوأ ماينتج عن عملية غير مدروسة لابتعاث طالب. هناك الإستلاب الحضاري، الذي يفرز كائنات مشوهة، تكون عبئا على مجمل النظام الاجتماعي بشقيه الأخلاقي والثقافي.

 8- كيف لنا أن نضمن، أن من يبتعث يستحق هذه الفرصة ؟

 تكافؤ الفرص في الإبتعاث يثور حوله جدل كبير. في إحدى الندوات، اقترحت أن تعطى الفرصة للجميع في الابتعاث..إذا توفرت المعايير والشروط العلمية، لكن قبل أن يتم إرسال الطالب إلى الخارج، يجب أن يمر ببرنامج فحص (فلترة) تتم إقامته في المملكة، في عدد من المدن الرئيسة. برنامج مثل هذا، يشبه السنوات التحضيرية في بعض جوانبه، من حيث التركيز على العلوم واللغة الإنجليزية،.. لغة التعليم في البلد المبتعث إليه، وأن يقوم بالتدريس أشخاص تكون الإنجليزية لغتهم الأصلية، ليعتاد الطالب على لغة التعليم كما يتحدثها أهلها، ويحتك في الوقت نفسه، بأهل ثقافة البلد مباشرة..كامتحان أولي له مع ثقافة غريبة.
أيضا يتم تثقيف الطالب عن البلد الذي يفترض أنه سيبتعث إليه..عاداته وقوانينه، المسموح به من السلوكيات والممنوع. إضافة إلى ذلك، ثقافة شرعية ووطنية، ليكون الطالب خير سفير لبلده. كما أرى أن يجعل الطلبة فيما يشبه المدارس الداخلية، طوال فترة البرنامج، ومنعهم من الاحتكاك ببيئتهم المحلية، لتحقيق نتائج أفضل. من يجتاز البرنامج بعد ذلك، هو الذي يبتعث. برنامج بهذ الشكل في رأيي، سوف يوفر مبالغ طائلة تصرف في تعلم اللغة في بلد الإبتعاث..ولا تحقق نتائج مرضية. كما سيوفر البرنامج (بيئة) دراسة، أقرب لبيئة الدراسة الأصلية، تعطينا مؤشراً أوليا مهما،عن مدى استعداد الطالب للابتعاث، من خلال أدائه في البرنامج. كما أنه سوف يحمي الطالب من التأثيرات والصدمات الثقافية، التي يتعرض لها عند وصوله لمجتمعات غريبة ثقافياً، وهو ماقد ينعكس على سلوكه، وأدائه الدراسي، وربما يؤدي لفشله.

9- من تجربة الابتعاث إلى السجن إلى الحصار.. مراحل تباين فيها ركضك. بماذا تدين لكل مرحلة ؟

 الابتعاث كان تجربة جميلة جدا، حصلت على درجة علمية عالية، وأجدت لغة عالمية، وتفاعلت مع ثقافة مختلفة.. ومثلت ديني ووطني، كما أحب أن أقدمهما للعالم: رسالة الرحمة والعدل والمساواة للناس كلهم، والبلد والأرض التي انطلقت منها خير الرسالات، لتصنع للعالم أكثر الحضارات إنسانية وخيرية. حين عدت من البعثة، كنت قد تشكلت تماماً، اكتمل نضجي المعرفي، ووعيي السياسي والحقوقي. كانت عودتي عام 1992، وكانت تداعيات الغزو العراقي للكويت وقتها، قد وصلت أثارها وتأثيراتها إلى عمق الواقع السياسي والاجتماعي في المملكة. كشف الغزو أن بلدنا لايمكن أن يدار بنفس الطريقة التي كانت قبل الغزو. أدركنا أيضا، أن بلدنا، لم يعد آمنا كما كنا نتوهم، وأن الأطماع ليست بالضرورة بعيدة جغرافياً. أيقنـا وآمنا كذلك، أن بلدا كبيرا ومهما..ومتنوع مناطقيا وقبليا، مثل المملكة، بحاجة ماسة ليكون دولة مؤسسات، يصنع فيه القرار جماعيا، ويشتمل على مؤسسات رقابية، تكبح الفساد بأشكاله المختلفة، ويتم فيه تعزيز استقلال سلطة القضاء، ليكون ضمانة ضد تغول جهاز حكومي ضد آخر، أو انتهاك لحقوق مواطن من قبل أي طرف حكومي.
لما انخرطت في النشاط الإصلاحي.. سياسياً وحقوقياً عام 1994 م، كنت أعلم يقيناً أني سأدفع ثمناً باهظاً، لكني لم أكن أتصور أنه بكل هذه القسوة والتوحش. آمنت أنه قدر يجب أن أرتقي لكلفته..مادام قد وقع. أيقنت عميقا.. أننا نحتاج أن نعاني، مادمنا نحاول أن نصنع واقعا أفضل، ونسعى لمستقبل أقل غموضا، وأكثر أمانا، وأعمق استقرارا. في السجن تعلمت أن أكون أكثر سلمية، أمام قسوة السجان وبطشه، وصرت أكثر إيمانا بأن الخيار السلمي في الإصلاح، هو الطريق الأمثل، لأنه إرادة جماهير، وحركة مجتمع، وليس قفزة نخبة، وهو ما سيقنع السياسي في الأخير، أن التغيير قدر حتمي، لكن عواقبه جميلة .. للمجتمع والوطن، وللحاكم والمحكوم. كان السجن مثل مرحلة برزخية، يرى العابر فيها كل الأهوال، لكن إيمانه بصدق عمله وصنيعه، وحسن ظنه بربه، يجعله يثق.. بجميل النهايات وصحة النتائج.

 10- دعني أسألك بصراحة، لو عدنا عقدين من الزمن بعقلك الآن، هل كنت ستدخل السجن لذات السبب ؟

من المفارقات الموجعة.. أن ما دخلت السجن بسببه، وهو تأسيس (منظمة حقوقية)، قد تم إنشاؤه بقرار رسمي فيما بعد. السجن ليس شيئاً محبباً ليسعى الإنسان إليه، إذا علمت أن السجن عذاب وإهدار لآدمية الإنسان.. واغتيال بطيء للحرية. لكن ما يدفع الإنسان ليقدم ثمناً باهظاً من حياته، مما لايمكن تقييمه بأي مقابل مادي، وفي سبيل هدف يسعى ويناضل من أجله، هو ذلك الإيمان، وتلك القيم التي يؤمن بها. غالباً ما تكون تلك القيم (مصلحة عامة) للوطن والأمة، وليست مكسباً (فردياً)، لأن التضحية بالنفس تتعارض مع الفردية. لذا.. أنا لم أندم على تجربة السجن، لأني أقدمت على مشروعي الإصلاحي بملء إرادتي.. بإيمان أن وطني يستحق أن أضحي من أجله. لم يكن ينقصني شيء.. إجتماعياً ومادياً، لكني أردت بها وجه الله، ثم مصلحة الوطن.
الأحداث التي تلت سجني، والمأساة التي حاقت بي وبعدد من أفراد أسرتي، من قتل وسجن وحصار، أثبتت صدق رؤيتي: نشاطي وزملائي كان سلمياً.. ولو تحقق، لجنبت الدولة، ونجا المجتمع من موجة إرهاب وعنف أعمى كلف كثيرا، وجاء تالياً للمعالجة الأمنية القاسية لنشاطنا. كما أن تطور الأحداث والتحولات الإقليمية والعالمية، التي أفرزت (هيئات حقوق إنسان) رسمية، أتت مصدقة لخطوتنا المبكرة، التي استشرفنا فيها حاجة بلدنا للإصلاح، وعلى الأخص لمنظمات مجتمع مدني، وتحديداً منظمة حقوقية، تراقب الفساد المالي والإداري، وترصد التجاوزات التي تقع ضد المال العام، وممتلكات الوطن وحقوق المواطن.

11 – معالجتنا الرسمية للتطرف والإٍرهاب، هل كان بالإمكان أحسن مما كان ؟

 أظن أننا (تطرفنا) في معالجتنا للتطرف والإرهاب. السياسة التي اُتبعت كانت الحل الأمني في أقصى أشكاله توحشا: القتل والسجن. الحل الأمني وحده، يستأصل مظهر المشكلة، ولا يعالج جذورها. الحل الأمني كذلك.. وسيلة بدائية لمعالجة قضية معقدة، لها أبعاد فكرية ودينية وسياسية واقتصادية. الحل الأمني أيضاً، بسبب من طبيعته المتطرفة، ينتج مضاعفات متطرفة، تبقي في حالة كمون، ثم تظهر تداعياتها الأمنية والأخلاقية على الدولة والنظام والبناء الاجتماعي، بعد مدة، تطول أو تقصر.. حسب ظروف ومعطيات المجتمع السياسية والاقتصادية والإجتماعية. في موضوع التطرف، نحن عاقبنا ولم نعالج. هناك فرق بين العقاب والعلاج. عندما تعاقب، يخالط السلوك شيء من التشفي والانتقام، كما أنك تكون مسكوناً بأوهام وشكوك، تجعلك تطارد.. حتى النوايا. النوايا لا تقتلع من القلوب من خلال ترهيبها بالسجن والقمع الأمني، بل بحوار (أبوي) يظهرها للسطح، ويمسك بيديها..ليرشدها، ويعالج شذوذها. أنت في العلاج، تسعى لأن تحصر المشكلة وتحاصرها في نطاقها، وتتعامل معها بهدوء، لأن الجرعات الزائدة، تنتج مضاعفات جانبية، تتضخم أحياناً لتكون أكبر من المشكلة الأساسية.
في العلاج تشعر الشاب أنك لاتستهدفه لذاته، وليس لديك مشكلة مع شخصه، ولا مع أفكاره، إلا إذا ترجمها لسلوك يضر به نفسه ومجتمعه. تعلمه أن الخلاف، لايلزم منه النفي والإقصاء، لأنه قدر رباني:”ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك”. لذا..لم يكن السجن التحفظي لفترات طويلة، إلا عدوانا على حرية معتبرة..يفتقد المبرر الشرعي، والرؤية المنطقية. كما أنه لم يكن هو الحل الوحيد، وليس الحل الأمثل، لأن العبرة بالنتائج،على المستويين..القريب والبعيد. في المشكل الأمني أنت تحتاج إلى (حكمة) السياسي، أكثر من (صرامة) الأمني وبطشه. السياسي يرى من سطح المبنى، والأمني يرى من ثقب الباب. ستكون أمام السياسي مهمة كبيرة، لاستيعاب تداعيات عقد من الممارسة الأمنية البحتة، من خلال برامج استيعاب وتأهيل وتعويض، لهذه الأعداد الضخمة من الشباب. أيا كان خطأ و(جريمة) هؤلاء الأشخاص، فهم مواطنون، من المهم..إحتواؤهم ودمجهم إجتماعيا واقتصاديا، في مجتمع، أجبروا على (التخلف) عنه في كل المجالات، أثناء فترة سجنهم الطويلة، وذلك عبر برامج توظيف ودعم مالي، واستقرار أسري.

12 – كثير ممن كان معك في السجن خرج ووجد ألف باب مفتوح له، أنت لم تجد تلك الأبواب..! ما السبب ؟

دعني أقول لك: أنا بخير. الأبواب التي تتحدث عنها، وتقول أنها فتحت لآخرين ولم (تفتح) لي، هي (أبوابهم)..هم، ولا تعنيني في شيء. هناك باب ما احتجت لطرقه، لأنه ظل مشرعاً لي على الدوام.. باب الله. تعلمت من أبي رحمه الله.. الصمود وعزة النفس، ومنحتني أمي عليها رحمات ربي، حبلاً موصولاً بالسماء، فلم أرها في أي حالة من حالاتها..إلا وكفاها ممدودتان للسماء، وبقيت حبيبتي هديل، حاضرة معي أبداً، في أحلك حالاتها كانت في (رسالة إلى الله) تدق باب السماء:”ولست وحدي يا الله، ما دمت معي”. أنا بخير..صدقا أنا بخير.

13- مفهوم الوطن عندنا، ألا تشعر أنه نقطة ضعف في بنائنا التنموي ؟

الوطن ليس أرضاً وعلماً فقط، وللدكتور الأحمري تفريق جميل بين (المواطنين) و(المساكنين). علاقة المواطن بالوطن ليست رقماً في السجل المدني، بل حقوق وواجبات.. و(تجذر). في المسألة الوطنية، نسمع كثيراً عن الواجبات، وممنوع بتاتا، التحدث عن الحقوق.. ونسأل سؤالاً كبيراً: ماذا فعلنا لتجذير المواطنة ؟ إذا كانت الأرض جزءاً من ارتباط الإنسان بوطنه، كم نسبة السعوديين الذين يملكون منازل خاصة بهم.. في وطنهم، الذي أكثر ما فيه.. الأرض، والنفط، والمال المحتكر.. لفئة  واحدة من دون الناس ؟ إذا كان الوطن متكأً و(ملاذاً) لأبنائه، من العوز والحاجة، كم عدد العاطلين عن العمل، الذين فرت عنهم (خيمة) الوطن، وتركتهم في عراء الجوع والفقر والعوز والحاجة ؟ أصبح الوطن.. رسمياً وإعلامياً، مع بالغ الحزن، أغنية يلوكها مطرب خلفه جوقة مرددين.. برتابة بليدة، في مهرجان سنوي، واختزلت المواطنة بقطعة قماش خضراء يلوح بها مراهق في مسيرة شغب، أو تلفها مراهقة على وسطها وتتلوى، في (يوم وطني) تنتهك في مسيراته كل القوانين، ويعتدي فيه على كل ما هو أخلاقي.. في بلد (يحرم) المظاهرات..!

14 – بصراحة.. هل تفكر بالهجرة من الوطن ..؟

 تدري ما الوجع؟ الهجرة ليست رحيل جسد، بل قلب ينتزع. أصدقك القول.. فكرت كثيراً، وما زلت أفكر بالهجرة. ربما السؤال الأهم : لماذا يهاجر الإنسان من وطنه ؟ الحصار المادي والاقتصادي سبب، ولدى كل واحد منا.. في خياله، (مشروع) حلم بوطن جميل، شبيه بمدينة (الفارابي) الفاضلة .حينما تصل إلى حالة يصادر فيها حلمك، الذي تتحدث عنه بفرح الأطفال.. وليس لديك شيئاً كثيراً تخسره، تقدم على الموت، أو على (الهجرة).. حيث هي، شكل آخر من أشكال الموت.

15 – مات أخوك.. وماتت إبنتك.. ومات والديك، كيف هي علاقتك مع الموت ؟

الموت.. ليس فقط، فراق أجساد، وصعود أرواح كانت تهبك حياة. الحياة.. كذلك، ليست إلا مجموع مشاهد، وعلاقات بتفاصيل صغيرة وكبيرة.. وعميقة، مع آخرين نحبهم. حينما يموت واحد من هؤلاء (الآخرين) يسقط مشهد من حياتنا. كل فرد يرحل، يأخذ معه تفاصيل بحجم عمق العلاقة معه، ويقتطع من مشهد حياتك، بقدر ما كان فاعلاً فيها. حينما قتل عبدالله، هلكت معه أحاديث الطفولة، ومغامرات الصبا، وأحلام الشباب.. وماتت ضحكة مازال ثغرها يضيء في الحشا. لم يكن صدعاً هائلاً في القلب فقط، بل إنطفاء لمساحة هائلة من العمر .
يموت والدي رحمه الله، فيسقط مشهد ضخم من حياتي. لم يكن أبي شخصاً عادياً في حياتي. كان ملهماً، ملاذاً.. خيمة أخيرة. تخيل أنك في صحراء، زادك الشمس والهجير، وتحاصرك (الضواري)، ثم تقصف الريح العقيم بخيمتك، فتقف وحدك في العراء، مكشوف الصدر، حاسر الرأس..! أنا كنت ذلك الشخص بموت أبي. لما مات والدي، وفي ليلة اليوم الذي دفنته فيه رحمه الله، وحين وضعت رأسي على الوسادة، غرقت في بحر من البكاء، وأنا أسترجع (شريط العمر): سنوات تتساقط.. ثم تظلم، حيث يغيب بطلها. أسئلة لن أجد لها إجابة أبداً، بعضها صغير.. لكن عذاب أن تدرك أن من يملك الإجابة عليها، لن يرد.. كبير جداً، وموجع جدا جدا. مات أبي حبيبي سيدي، فبقيت أسئلة كثيرة، عارية الأسنة..تطعن في الجوارح. ثم تموت والدتي، فينقطع آخر سبب يصلني بالسماء. كانت أمي رحمها الله، أنموذج فذ للمرأة النقية الموصولة بالسماء . في صباها، كان صويحباتها (يعيرنها):”أستغفر الله”، لخوفها المستدام ممن في السماء، خوفها أن تقع فيما لايرضي ربها..ولو أن تسخر من عنزة هزيلة، فتستغفر ربها. كبرت (أستغفر الله) وعاشت حياة كدح ومقاومة، ثم ماتت..تستغفر الله، ومات معها محراب للجمال كنت اتنسك فيه. غابت من تعلمت في مدرستها معنى الكدح والنضال الشريف من أجل لقمة العيش الكريمة، قبل أن أقرأ في أدبيات اليسار عن (البروليتاريا). لما دفنتها وعدت بعد أيام، قبيل المساء لقبرها أتلمس سكينة، أدركت أن الأم، آخر الأسوار التي يتوارى خلفها الرجل، قبل أن يرى النهاية شاخصة أمامه. نظل صغاراً، مهما كبرنا..حتى تموت أمهاتنا.

 16- ابنتك هديل صاحب موتها حزن كبير.. هل تتهم أحدا بموتها ؟

موت هديل رحمها الله، كان بالنسبة لي كارثة بكل المقاييس. لم يكن روحاً تمزقت فقط، ولم يكن مجرد فراق أزلي لحبيب. هاجمني موتها من كل الجهات..فكانت: لوعة أب، وإنهيار مشروع، واغتيال حلم.. وحزن الأبد. أبصرت فيها مبكراً، إمرأة مختلفة، قادرة بمهارة الأنثى الأنيقة، أن تمزج بين الأصالة والمعاصرة. لم أتمناها في مكان، إلا وأجدها قد سبقت تطلعاتي بمراحل. فتاة.. تفوقت على واقع، تأتي المرأة فيه دائما في المركز الثاني، فأبدعت في سنوات قليلة، دون أن تتنازل عن قيمتها وقيمها، ودون أن تستهجن مجتمعها..وهي تعرف أخطاءه. لم تتنكر للمرأة الشرقية المسلمة داخلها، وكان بإمكانها أن تعيش حياة عصرية، وتسير بخطوة راسخة في (الشانزليزية) أو (أكسفورد ستريت).. وبين جنبيها امرأة اسمها (رابعة العدوية). في موتها سر، لكني لا أحب أن أخوض في (دراما) موتها، وأعدو في نفس (الماراثون) المحزن القبيح، الذي سرنا فيه أنا وأمها وإخوانها وكثير من محبيها.. لمـا دخلت الغيبوبة . أؤمن أن الموت أجل وكتاب، لكن سيرة غيبوبتها وموتها.. ونحن نتسول سريراً يضمها، لا يمكن تفسيره إلا بالإهمال المتعمد واللامبالاة من الأطباء التنفيذيين، الذي يبحثون بطبقية مقيتة، في ملف المريض عن خاصية (VIP) لديه، ليتسلقوا بواسطتها إلى أجندات شخصية. حينما كانت هديل رحمها الله تحتضر، ونحن نجثو على ركبنا نطلب ونتوسل مصلا  لقلبها، واهتماماً بحبيبتنا، كان السجاد الأحمر يفرش لـ (لورا  بوش) في ذات المستشفى. كنت وأنا أرى المؤشر ينخفض تحت (60) ويهبط بقلبي معه، أستصرخهم بما أظنه بقية إنسانية لديهم، فلا أجد مصغيا..كانوا لاهون بترتيب بهو المستشفى بالورد والأثاث الجديد، لبهجة عيني سيدة البيت الأبيض.

17 – بعد رفع الحظر عنك، مارست الكتابة ورقيا في الجزيرة والوطن.. مالفرق بين التجربتين ؟

كتبت في صحيفة الوطن في بداية إنطلاقتها أكثر من 10 مقالات، قبل أن يتم إيقافي من المباحث.. ولا أعلم السبب، رغم أني ابتعدت عن (المحرمات) السياسية. تمتعت في الوطن بسقف عال من الحرية، ولم يتم التعرض لمقالاتي بأي حذف أو تعديل. في الجزيرة كتبت 3 مقالات فقط، وفي كل مرة يخرج مقالي مسخاً مشوهاً، غير الذي أرسلته، فقررت أن أتوقف.
تجربة الكتابة في الصحيفتين، كشفت لي أن هناك خلطاً بين الجبن والمسؤولية، وأن الحرية حالة ذهنية State of mind  تنسحب على مجمل حياة الفرد وطريقته في التفكير، وقدرته على الفصل بين الخاص والعام. أكثر أشكال الواقع تزويراً، حينما تتضخم (الأنا) لدى شخص.. مسؤول تحرير مثلاً، فيرى أنه وحده، من يستطيع حفظ الأمن، من حرية يراها (غير مسؤولة)، وأنه وحده، من يملك عقلاً و(حكمة).. أكثر من غيره، تجعله يقرر لكل أفراد المجتمع، ما يضرهم وما ينفعهم.

18 – ما مدى رضاك عن الصورة الإعلامية لبعض مشايخنا ؟

الصورة الذهنية لبعض المشايخ، هم سبب فيها. السيء والقبيح في هذا الأمر، (تعميم) الصورة على الجميع. الشيخ في مجتمع محافظ، مثل مجتمعنا، ليس مثل بقية أفراد المجتمع، بل ينظر إليه الناس بوصفه (مثلاً) جميلاً، تحقق في سلوكه أكثر صفات الإنسان المرتبط بوحي الله.. القرآن والسنة. ولأن مجتمعنا متدين بفطرته، ويؤمن أن الإسلام يهذب الفرد، ويرتقي به إلى درجة كمال، يُصدم الناس حين يجدون (الشيخ) في مكان غير الذي توقعوه فيه: عديم الذمة، حين تكون الأمانة من أعلى أخلاق الإسلام، أو بخيلاً.. والرسول صلى الله عليه وسلم كان جواداً كريماً، أجود من الريح المرسلة، أو عبوساً فظاً، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:” كاد حسن الخلق أن يذهب بخيري الدنيا والآخرة”. في ظل الصراع الفكري، وحالة الإصطفاف بين المتدينين وبعض الكتاب والإعلاميين.. وفي ممارسة خاطئة وسلوك (شائن)، يقوم بعض الإعلاميين بالتقاط بعض هذه السلوكيات الفردية الخاطئة، ثم تتم (قولبة) الشيخ وتشويهه . تنميط الناس جناية كبيرة، وتنميط نخب المجتمع الدينية، يتعدى ضرره من الإساءة لفرد، إلى الإساءة لعموم المجتمع، بتشويه مرجعياتهم الدينية والثقافية، بغير وجه حق.

 19 – محسوب أنت على التيار الإسلامي، ويرى البعض أنك من المجددين في أدواته. كيف تقرأ هذه الرؤى والتصنيفات؟

أنا محسوب على التيار الإسلامي.. نعم، لكني لست (مجدداً) .لقد نجحت في صناعة شخصية خاصة بي، وهذا ربما جعلني مختلفاً . الإختلاف له ثمنه، لأن المجتمع أسس ثقافة الجماعة والحشد، التي تسعى لإلغاء السمات الفردية للأشخاص، وإذابتها في مجموع، يقوده فرد أو تيار. أكتب بلغة غير التي يكتب بها كثيرون، ونجحت في أن أجعلها لغة خاصة بمحمد الحضيف، طورتها عبر مراحل مران طويل.. لتكون جميلة كما أراها، ومعبرة.. وقوية، لا تؤثر فيها ولا تغير، طبيعة الموضوع، من حيث هو عاطفي كما في سردياتي، أو سياسي وفكري، كما في مقالاتي. قد يكون هذا هو (التجديد) الذي أشرت إليه. امتلاكي لشخصية مستقلة أسهم والدي رحمه الله في تكوينها، حينما أشبعني وإخواني بقيم الشجاعة والأنفة، عززت لدي مفهوم: “أن تكون أنت نفسك”. رأيت الشجاعة تدفعك نحو الاستقلال، والاستقلال يجعلك في المنتصف، في موقع تتخذ فيه قراراتك بموضوعية وإنصاف. ليس مهماً كيف (يصنفك) الآخرون، ولا ما يضفونه عليك من ألقاب.. موجبة أو سالبة، ما دمت متسقاً في مواقفك، ومنسجماً مع نفسك. أيضاً.. كوني إعلامياً وكاتباً، جعلني هدفاً سهلاً للتصنيف، لأني أخوض في الشأن العام، ولدي إصطفاف فكري، وليس حزبي.. لا أخفيه، ولا أتحرج منه.


20 – نملك الثروة.. لكننا لا نملك التأثير الإعلامي، أين الخلل ؟

في مؤتمر شاركت فيه في لندن عام 2006، قدمت ورقة عن الإعلام الملتزم، ونبهت لخطورة هيمنة (رأس المال)، الذي لاتحكمه رؤية استراتيجية، وغير منضبط بهوية ثقافية، وبمنظومة قيم.. على الإعلام . حين تمارس فعلا غرائزيا عبر وسيلة اتصال جماهيري، أنت لا تمارس إعلاماً، إنما شكلا من أشكال عرض وترويج السلوك الشهواني. مخاطبة الحسي واستثارة الغريزي في الإنسان ليس (تأثيرا)، بل إثارة لا تحتاج عقلا..ولا تخطيطا، أو دراسات . التأثير.. تغيير القناعات وإحداث التحولات الإجتماعية الحضارية والمدنية، وفق رؤية فكرية وثقافية ممنهجة.
رأس المال السعودي، يهيمن على عدد من وسائل الإعلام، لكن قارن بين (توظيف) المال السعودي في الإعلام، وتوظيف آخرون لأموالهم في الإعلام . تسأل عن التأثير؟ أنظر كيف يسهم المال السعودي في ترويج وترسيخ، ثقافة تسطيح وتهميش وإنحلال، وطمس للهوية . في المقابل تأمل كيف سخر غيرنا ثروته في تأسيس إعلام يحدث تحولات جذرية.. سياسية واجتماعية، في 400 مليون عربي. إنها الرؤية والمواطنة الحقيقية، حينما تنقل (قناة تلفزيونية) بلداً صغير المساحة والسكان، ليكون فاعلاً ومؤثراً في الساحة الدولية، ونحن للأسف لا يعرفنا العالم (مؤثرين) بإعلامنا.. إلا من خلال قنوات تصب المجون والفسق في عيون المراهقين، وتملأ أسماعهم بفحيح الغرائز. لقد حولنا بإعلامنا.. الرذيلة إلى صناعة، وذهب آخرون (يصنعون) للناس بإعلامهم، عوالم للحرية والكرامة.. واحترام حقوق الإنسان. لتعرف لماذا لانملك (التأثير الإعلامي)، رغم إعلامنا الورقي والفضائي (الضخم) بملياراته ودولاراته ومساحة فضائه، اعمل استبيانا عربيا عن (صورتنا) الذهنية: كيف يقدمنا هذا الإعلام للناس..؟!

21 – قناة الجزيرة .. هل أعادت الحياة للساحة الإعلامية ؟

لا يماري منصف أن قناة الجزيرة، حدث استثنائي في الساحة العربية. لم يكن تأثير (الجزيرة) فقط في الساحة الإعلامية.. حيث أسست لممارسة إعلامية مهنية غير مسبوقة، بل إنها أحدثت حراكاً سياسياً وحقوقياً في عموم العالم العربي، ليس له نظير في التاريخ العربي الحديث، فرفعت عبر برامجها وتغطيتها المتميزة لأحداث العالم العربي، سقف الحريات، ووسعت هامش التعبير،وساهمت.. من خلال قنواتها المختلفة، بزيادة الوعي والمعرفة..والإرتقاء بذائقة المشاهد. في فترة طويلة، هيمن الإعلام الرسمي الموجه، والفارغ من أي قيمة، على فضاء العالم العربي، من خلال تطبيق ممنهج لنظرية “الاستخدامات والإشباع” Uses and gratification theory، أو ما أصطلح على تسميته شعبياً “الجمهور عاوز كده”. تفترض هذه الرؤية أن الجمهور كله فارغ، وتافه، وساذج، وغرائزي.. فأمطرته بسيل من الرسائل الإعلامية الكاذبة والمفبركة والمضللة سياسياً، التي تمجد الحاكم الفرد، وتصنع منه رسول العناية الإلهية، أو حتى (إلـهاً) مبدعا خلاقا، لا يسأل عما يفعل. على المستوى الاجتماعي والعاطفي، صبت في عينيه وأذنيه ساعات طويلة من (الدراما) والأغاني التي تستفز الحيواني والشهواني فيه، فغدا مخلوقا غرائزيا، يشتاق لشكل الإنسان الأول: العري في الصورة، والكلام، والاهتمامات. جاءت قناة الجزيرة، لتكسر هذه القاعدة، وتثبت أن هناك جمهوراً عربياً عريضاً، جاد وعاقل، وقادر على التمييز بين من يخاطب عقله، ومن يسعى لدغدغة عواطفه ويستثير غرائزه. لا يعني هذا أن الجزيرة هي النموذج الإعلامي.. النهائي والأمثل، لكنها الواقع الأفضل من بين إعلام عربي أثر.. وما زال يؤثر في الجمهور العربي، كما أنها تحولت إلى مدرسة و(مؤسسة) إعلامية كبيرة، تبث وتدرب عربياً، فتفرض بصمتها وتقاليدها. رغم ظهور فضائيات (عربية) كثيرة، تمتعت بدعم وتمويل حكومي كبير، إلا أنها لم تنجح في صنع تقاليد إعلامية مهنية متفردة، كالتي صنعتها الجزيرة، وكانت أشبه بمحطات قنوات تلفزيونية أرضية رسمية، تحولت إلى فضائيات.

 22 – لماذا فكرة المجتمع المدني تخيف البعض، وما العلاقة المثلى بين المجتمع والسياسة ؟

كثير من المواقف العدوانية والمتشنجة تجاه فكرة جديدة أو مفهوم حادث، ناتج بالضرورة، عن سوء فهم. خذ مثلاً: الديمقراطية، لا ينظر الناس إليها بوصفها، شكلا من أشكال حرية الإرادة، وحق الناس في التعبير والاختيار..وبديلا للديكتاتورية والاستبداد. كثيرون يرونها منتجاً (غربياً) يهدد الحياة الإسلامية، يقوم على إقصاء التحاكم إلى الشريعة. من تجربة جديدة نعيشها الآن، يتضح أن العكس كان هو الصحيح: قبل الربيع العربي، الدكتاتوريات التي (تتمسح) بالدين وتدعي مرجعية الشريعة، هي من أقصت الإسلام والشريعة، بد الربيع العربي.. الديمقراطية هي من أوصلت الإسلاميين للحكم، ومكنت للناس حياةً إسلامية، ووفرت الحرية للفرد ليمارس شعائر الإسلام، دون مراقبة المخبرين.
مؤسسات المجتمع المدني، التي تبدو مؤسسة الحكم الديمقراطية، أحد أبرز تمثيلاتها.. تعاني من تشوية، أغلبه ناتج عن جهل بها، وبالدور الذي تؤديه . ينظر الناس إليها على أنها مؤسسات (علمانية) تعادي الدين.. لأن هناك ربطاً موهوما،ً بين المدنية والعلمانية.. هذا من جانب. أيضاً .. تتوجس منها الأنظمة الشمولية والدكتاتوريات، لأنها تنظر إليها بوصفها (شريكا)، أو منافسا لها في (الحكم).. بحكم لجوء فئات مجتمعية للإستفادة من خدماتها. مؤسسات المجتمع المدني، عكس الجهاز البيروقراطي الحكومي، أقل فسادا، وأكثر إنضباطا ومرونة في خدمة المواطن..وهو مايزعج الأنظمة السلطوية، التي تخاف على (شعبيتها)..فتعمد لتشويه صورتها لدى المواطن البسيط، باتهامها بالغموض والعمل بأجندات سرية، أو الإرتباط بالأجنبي.. مما يخيف الناس فيتجنبونها، وربما يعادونها.
في المجتمعات المتقدمة، تعمل مؤسسات المجتمع المدني، جنبا إلى جنب، وبطريقة تكاملية مع المؤسسة السياسية الرسمية، وهي الحكومة المنتخبة من الشعب. التناغم بين مسؤوليات الحكومة، بوصفها (خادماً) للمواطنين في القطاعات الخدمية الأساسية، وبين الجهود والخدمات التطوعية التي تقدمها مؤسسات المجتمع المدني، التي تدار هي الأخرى بطريقة ديمقراطية.. يملأ الكثير من الفجوات، ويسد ثغرات الممارسة الحكومية، ويعزز روح الجماعة والتعاون بين الناس. مؤسسات المجتمع المدني، ليست حكومة موازية، ولا تشتغل بالسياسة، لأن الأدوار في دولة المؤسسات، ببساطة ..موزعة: من يريد السياسة يرشح نفسه للبرلمان، ويمارسها هناك. لكن..لأن الأنظمة الشمولية السلطوية في العالم الثالث، ترى أن الإهتمام بالمواطن ورعاية الناس.. الذين تعتبرهم ملكا لها، هو(نوع) من السياسة، التي تثير أسئلة لدى الناس، عن معنى أن تحكم، وتهدد بالتالي مبرر وجودها، وهو مايؤدي في النهاية إلى منازعتها في (ملكيتها).. الناس. بناء على هذا التصور تخاف من مؤسسات المجتمع المدني، وتعمل على إخافة الناس منها، للإستفراد بها، وتصفيتها، او تعطيلها.

23- علاقتنا مع المرأة .. من السبب في توترها ؟

العلاقة مع المرأة مشتبكة. يتقاسم قضية المرأة تجار شعارات، وأصحاب أجندات شخصية، وسلطويون لا يريدونها أن تخرج من قبضتهم، وصادقون بالغوا في (حمايتها).. فكبلوها وعطلوها. المرأة في هذه القضية يدعى أنها هي (اللاعب) الرئيس، لكنها اللاعب المهمش، حائرة لا تدري أي راية تتبع.. حيث غابت التشريعات الرسمية، التي تمنع عنها الظلم، و تحميها من الاستغلال. لو رأيت القضاء كيف أسلمها لوحوش الرجال: عضلا، وتعليقاً، واستغلالاً لعواطفها، وحرماناً لأمومتها.. وسرقة لأموالها . في المقابل.. لا تجد قوانين تحميها من التحرش، والابتراز، والاستغلال الجنسي في مواقع العمل، أو من استخدامها (أداة) تسويق لمشاريع حريات وهمية، يتم فيها ابتذالها وامتهانها. مؤمن بمشاركة وحضور فعال للمرأة في المجتمع، لكني مؤمن أكثر، أنه ليتم ذلك، يجب ألا يكون بالقفز على منظومة القيم والنظام الأخلاقي للمجتمع. إن استيراد نموذج (نسوي) أجنبي، يصادم النظام القيمي والنسق الثقافي المحلي، سوف يفرز (إغتراباً) داخل نسيج المجتمع، بين بعض أفراده، ويدخل فئاته في عملية إصطفاف، وصراعات، ومناكفات فكرية.. تعطل التنمية وتعيق نمو المرأة.. اجتماعياً وثقافياً.

24- مفهوم الإعلام الجديد، الذي ينظر له البعض .. هل ترى فيه جديدا ؟

ليس من شك أن (الإعلام الجديد) حدث غير اعتيادي في مجال ثورة الاتصال والثورة المعلوماتية. في تقديري أن الإعلام الجديد انتزع الكلمة والمعلومة بوصفها (قوة)، من أيدي النخب السياسية والاقتصادية، ووضعها في يد الشعب. كانت نخب المال والسياسية، تمارس سلطتها وتسلطها، من خلال تحكمها بالمعلومة، واحتكارها للمعرفة، ومناورتها بـ(الكلمة).. تزييفاً، وتضليلاً، وإرهاباً..عبر إعلام (تقليدي) مبرمج وموجه. لكن الإعلام الجديد كسر هذا الإحتكار، وألغى نخبوية الإعلام وجعله شعبويا. بل إن التقدم العلمي، جعل التقنية بسيطة وبمتناول الفرد العادي، دون أدنى تمايز طبقي، وأسقط واحدة من أهم نظريات التأثير الإعلامي : “فجوة المعلومات” Information Gap، فألغى (الطبقية الثقافية)، وصار الناس كلهم، يتعرضون لذات المصادر المعلوماتية. 

لقد أسقط الإعلام الجديد أيضا، نظرية أخرى مهمة: نظرية (حارس البوابة) Gate Keeper، حيث كانت النخب تمارس وصاية على الشعوب، عبر إحتكار وسائل الإعلام، فتحدد لها ما تسمع، أو ترى، أو تقرأ.. وبالتالي تصنع لها (عوالم) مزيفة.. تملؤها خوفا من (مجهول)، تدعي أنها هي من يعرف أسراره، وتملؤها أساطير عن (ذكائها) وتفوقها، لتضمن استمرار الهيمنة والسيطرة . الإعلام الجديد، من خلال شبكات التواصل الاجتماعي Social Networks يقوم بدور محوري في عمليات تحول اجتماعي وسياسي كبير في عالمنا العربي، كما يؤسس لوعي حقوقي غير مسبوق، ولثقافة حقوقية رصينة. ما يضفي أهمية كبرى على هذا التحول، أنه يتم بأيدي الناس أنفسهم، بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم.. ومستوياتهم الثقافية والاقتصادية، وليس مفروضاً عبر (أجندة) رسمية، أو بدفع وتحريض من وكلاء مدفوعي الأجر، من مثقفي السلطة. كما أنه ليس سطحي وعاجل، بل يتم عبر حوارات عميقة وطويلة وحساسة وصريحة، على (الفيسبوك وتويتر واليوتيوب)، في ميادين الدين والسياسة والاجتماع. جانب مضيء آخر للإعلام الجديد، أنه خلص الأفراد من سلوك المجاملة والنفاق، الذي كان يتلبسهم، عندما يحاولون التعبير عن أنفسهم عبر قنوات الإعلام الرسمي التقليدية. كما أسس الإعلام الجديد لثقافة مسؤولية الكلمة، بنفي الخوف من (عيون) السلطة ومخبريها، وعبر الشجاعة والجرأة في الطرح، وتحمل مسؤولية حرية التعبير عن الآراء والأفكار.

25- تجربتك مع (قناة المجد) تداخل فيها الأمل مع الألم. كيف تقيم تلك التجربة ؟

تجربتي في “قناة المجد” محبطة. جئت إليها أحمل حلماً ومشروعاً.. وقلباً مفتوحاً، لكني قوبلت بعملية (تهميش) منظمة، وتعامل فوقي من مؤسسها ومالكها الأول. في كل مرة حاولت فيها أن أحدث اختراقا، ذو طبيعة مهنية، أجد إيغالاً في التسفيه. الأسى والإحباط كانا مضاعفين، لأن سنوات العمر تمضي دون إضافة أي (خبرة)، في مؤسسة تدار بطريقة غير مهنية، كما لو كانت نشاطا عقاريا، أو مؤسسة عائلية. يرافق هذه الخيبة، أسى يعصر القلب..أن تعليما متقدما في تخصصي، حصلت عليه من بلد متقدم، حرمت أن أمارسه في الجامعة بسبب موقف سياسي، ثم أجدني أبذله رخيصا، عند أناس لاتفهمه ولا تقدره.
سنواتي التي أمضيتها في القناة، لاتقل سوءاً وقسوة عن السنوات الي أمضيتها في السجن، وكان بقائي هناك كأكل الميتة.. مضطراً، لأن إلتزاماتي الأسرية كانت كبيرة وعالية، وكانت المغامرة بالخروج من هناك، يعني تعريض نساء وأطفال لذل الحاجة.. حيث الحصار يطبق علي من جهاتي الخمس، بعد فصلي من عملي أستاذا في جامعة الملك سعود، وضيق هامش العمل في القطاع الخاص. السنوات التي أمضيتها هناك، أكبر خسارة في عمري، حيث تعامل شخصاني متدني، ومستوى مهني متواضع، انتهى بالقناة إلى حضيض.. مادياً وإعلامياً، وانتهى بي موظفا بلا قيمة ولا إنتاجية أطمح إليها. كانت القناة تدار بطريقة مزاجية شخصية، وغير مهنية.. وكأنها (ملكية خاصة). حاولت أن أضع بصمتي بوصفي متخصصاً، إلا أن جداراً هائلاً من التجاهل واللامبالاة ينتصب أمامي في كل مرة. هذه السياسة قادت إلى تردي مستوى القناة فنياً، وتواضعها مهنيا، واقترابها من شفير الافلاس، بعد أن تداولتها أيدي الملاك مثل مزرعة خاصة.. وكان المعول أن تكون مدرسة في الإعلام الفضائي المحافظ.

 26- أنت من المتحمسين للمشروع التركي في المنطقة، هل تجد في عودة الدولة العثمانية حلا للمشكلات حوالينا ؟

 أولاً ..أنا لست متحمسا لأي مشروع أجنبي في المنطقة، وما أدعو له تحالفات إستراتيجية تقوم على مصالح مشتركة. الأمر الثاني.. تركيا الحديثة، وحكومة (حزب العدالة والتنمية) تحديدا، ليست عثمانية، بل شكلاً من إسلامية (ليبرالية) متهادنة مع علمانية متطرفة.. وهي حالة تركية خاصة. ثالثاً: نجحت الحكومة التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية، بتقديم نموذج لحكومة ديموقراطية، بوجه إسلامي، فحققت استقراراً سياسياً ونمواً اقتصادياً ، وصل العام الماضي إلى 11 ٪ . لم يكن هذا ليتحقق: التخلص من دكتاتورية عسكرية بنفس علماني متطرف، وكسب ثقة الناخب التركي، لولا أن الحكومة التركية الحالية، عززت الحريات.. عبر الديمقراطية، فقضت على الفساد بأنواعه. امتلاك الإنسان التركي لحرية قرارة، وحقه في الاختيار.. جعله يعود لإرثه الإسلامي، ويختار حكومة تمثل انتماؤه وهويته. كما أن الآلية الديمقراطية لنموذجه السياسي، مكنته من مراقبة أداء السياسيين، ولجم فسادهم . ما يجعل النموذج التركي مغريا، أنه قريب في كثير من ملامحه وتفاصيله، ونكهته الشرقية لمجتمعاتنا العربية، كما أن النموذج التركي في جانبه الأهم، لا ينطوي على أطماع توسعية بأبعاد أيدولوجية أو طائفية مثل النموذج الإيراني.
في ظل الإستقطاب وصراع المحاور..والتهديد الوجودي، الذي صارت إيران تمثله لنا، بعقيدتها الصفوية، ذات الأبعاد القومية الشعوبية، وعبر إختراق طائفي في العراق ولبنان واليمن. إضافة إلى القضية السورية، والدور الإيراني العدائي السافر فيها، لإجهاض ثورة الشعب السوري، من أجل خلق جيوب (طائفية) تمثل ذراعا للهيمنة الإيرانية، صار لزاما أن نعيد ترتيب تحالفاتنا، بما يخدم مصالحنا، وبما يصنع شكلا من أشكال توازن إقليمي..يضمن إستقرار المنطقة. التواطؤ الغربي مع إيران، ضمن صفقة تنازلات حول مشروعها النووي، ستكون على حساب العرب، والمملكة تحديدا. تقتضي الصفقة في جانب منها، إطلاق يد إيران في الفضاء العربي، بما لايهدد مصالح الغرب: النفط وأمن إسرائيل.
العبث الذي تمارسه إيران في المنطقة بتوظيف بعض (الشيعة) الموالين لها في بعض البلدان العربية، يحتاج إلى حل سياسي وليس عسكري، أو أمني. الحل السياسي يكون محليا، بإحداث إصلاحات حقيقية، تعزز المشاركة الشعبية، وتتوجه نحو عصرنة الدولة و(مأسستها)، لتتحول من دولة فردية، إلى دولة مؤسسات. كما يكون الحل إقليميا، بالتوجه نحو كونفدرالية خليجية صلبة، وتحالفات إستراتيجية مع قوى إقليمية كبرى مثل مصر وتركيا.
إضعاف الدور الإيراني سياسيا، من خلال تشكيل تحالف إقليمي قوي، قائم على مصالح مشتركة، ويستند إلى إرث ثقافي متجانس، سوف يسهم في الحد من الدور الإيراني ذو الطبيعة الطائفية العقدية التوسعية المتطرفة، والبناء التنظيمي (الميليشاوي)، الذي يقوم في جوهرة على استغلال الشيعة في دول الجوار. المملكة وتركيا يمكن أن تكونا نواة لمحور كهذا، له طبيعة سياسية واقتصادية، وليس عسكرية. تطوير التعاون مع تركيا المتقدمة إقتصاديا، والقوية عسكريا، ينطوي على مصالح كثيرة، ليست فقط إحداث توازن ضد التوسع الإيراني وسياسته العدائية، بل كذلك الإستفادة من القدرات التركية في قطاعات اقتصادية، حقق فيها الأتراك تفوقا ملحوظا. أيضا..كون تركيا جزء أصيل من المنطقة، فأي تعاون استراتيجي بينها وبين دول المنطقة، سوف يصب في مصلحة المنطقة وشعوبها، ولن يذهب لمصلحة منظومة، لاعلاقة لها بإنسان المنطقة وثقافته..ولا باستقرارها الاجتماعي والسياسي.

د. محمد الحضيف

آثار على الدرب
زخرفة نكات
بارك الله فيك
اترك أثرًا

Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.