نشرت في منتدى الوسطية

الخميس – الساعة 6:47 – أغسطس (2002م).

ما فتئتُ كلما قرأت قصة جديدة للدكتور الحضيف،وقرأت مجمل تعليقات القراء عليها، أتساءل :متى سيثبت هذا الصداح أنه مازال من طينة البشر،ويتوقف عن صياغة هذا الإبداع،بدعوى الكف عن خطاب مَن لا يفهم ؟ ..متى ينصرف عن رسالة الأدب، بدعوى أنها بلا فائدة وبلا متلقين،وأنه أكبر من أن يصرف وقته فيها، وأنه سينشغل بماهو أولى ؟ لقد خشيت من هذه النتيجة،لكن الدكتور أثبت أنه أكبر منها_ وإن كان معتنقوها أيضاً كبارا_ ..لكني ما زلت آسى على هذا الإبداع،كلما انتهيتُ من قراءته ثم وجدت تعليقاً عليه على شاكلة : ( هل القصة واقعية ..؟ ) بمعنى هل هي حقيقية .. أو( ما نهايتها؟.. اكتب لنا قصصاً كاملة..) … نعم ثمة قراء لا يفهمون القصة على أنها (إبداع) ،بل (حكاية) يجب أن يشعروا أنها حدثت فعلاً كي لا يندموا على وقتهم الذي ضاع فيها..حكاية قيلت لهم كي يشاركوا صاحبها بمنح التأثر المناسب،ثم ينصرفوا .. لا إبداعاً أدبياً قيل كي يبعث فيهم التأمل ويثير الأسئلة،ويعطي المتعة الأدبية بين ذلك ..حينما شكا الدكتور من تردده في نشر إحدى القصص ” بسبب موقف الإسلاميين من هذا الفن ، و المتمثل في (شخصنة) العمل الأدبي ، و رفض (أدوات ) العمل الأدبي (الحديثة) و وصمها بـ(الحداثة) ، التي اكتسبت صيتا سيئا ” نسي أن يشتكي من صنف آخر .. الصنف الذي يخلع أحداث القصة على كاتبها ..الصنف الذي يقرأ القصة التي تكتبها على أنها قصتك أنت .. لمجرد أنك أخلصت فيها فأثّرت وأقنعت وصوّرت.إن من أبسط حقوق الإبداع الناضج : القراءة الواعية .. وبلا قراءة واعية يفقد الأدب دوره .. هذه محاولة لقراءة تحليلية في الإنتاج القصصي للمفكر الأديب : د. محمد الحضيف .. تعتذر هذه القراءة بدءاً عن تواضعها.. وبدائيتها.. قياساً إلى مستوى ذلك الإبداع وتاريخه .. لماذا الواقعية ؟ … وهل يكون الرومانسي واقعياً ..؟

إن الملمح الأبرز في قصص الحضيف .. “الواقعية” التي تختلف بلاشك عن مفهوم الحقيقة ..القصة الحقيقية وقعت حقيقة ..وروايتها لا تحتاج إبداعاً تحتاج فقط سمعاً جيداً ..وعلى هذا فليست أدباً .. إنما حكايات مجالس …. الواقعية .. اتجاه أدبي يلتقط أفكاره ونماذجه من حياة الناس وواقعهم..من مشكلاتهم وقضاياهم.. من بؤسهم وأحزانهم ..الاتجاه الواقعي ..يأخذك إلى الطبقات الدنيا المسحوقة لتتأثر،ولا يصحبك إلى الطبقات العليا كي تنتشي .. الواقعية تضعك أمام نفسك بكل عيوبها ودقائقها..وأمام الحياة بكل أوجهها الخفية والظاهرة.. للواقعية اتجاهات مختلفة( واقعية طبيعية، واقعية انتقادية…..) .. لكنها تجتمع كلها على كونها وليدة ” فلسفات ونظريات معينة ” وأن مجالها الأرحب هو”القص” أو السرد بأنواعه (قصة ، رواية ، مسرحية) وليس “الشعر”.. يشعرك هذا بأن الاتجاه الواقعي هو أكثر الاتجاهات الأدبية (الرومانسية، الكلاسيكية،الرمزية ..) ارتباطاً بـ “الـفـكـر ” .. هنا نكون حللنا المعادلة : لماذا تُدرس قصص الحضيف وفق هذا المنهج …. الحضيف أديبٌ طُــلـَعة،ولكنه مفكّـر قبل أن يكون أديباً، مفكّر قد أخدَم فكره أدبه؛ تجد في مقالاته الفكرية لغة الأديب، وتجد في إبداعه الأدبي روح المفكّر.. وميزته الكبرى أن الفكر فيه والعلم لم يأتيا على حساب الأدب ،كشأن الداخلين إلى عالم الكتابة الأدبية ببطاقة(المعرفة) لا غير..كم ضاق الأدب من شعر العلماء، ومن روايات المتخصصين،الذين لا يملكون أداة (الأديب) ويحسبون أن (العلم بالشيء) كافٍ للنجاح فيه..الإبداع الأدبي يحتاج مبدعاً ..يحتاج الشعر إلى شاعر.. ويحتاج القـَص إلى أديب .. لا مجرد(قادر)على كتابة الشعر،و(قادر)على كتابة القصة.. والحضيف أديب ..تعرف ذلك من أسلوبه حتى ولو لم يكن بصدد كتابة نص أدبي.. تعرف ذلك من مقالاته.. من ردوده.. من نفثاته..حيث تجد اللغة المنتقاة، والأساليب الشاعرية، والعاطفة الثرة..مهما كان الكلام بسيطاً وعابراً .. تجد الشفافية الشعورية و التعبيرية التي اصطلح الناس على تسميتها (رومانسية) .. هذا هــــو .. وهذا ما كتب .. فهل يكون الرومانسي واقعياً ؟ ..لامانع من اجتماعهما لدى الأديب مادام ياخذهما (منهجاً) وليس (مذهباً) ..المنهج مجرد أدوات وطرق وأساليب..أما المذهب فهوالفكرة المُعتـنـقة والنظرية المتـبـنّاة.. والحضيف من حيث (الفكر) لا ينتمي لاتجاه ..ينتمي للإسلام بكل شموليته، أما من حيث (الأداة) فقد استفاد من المناهج والنظريات الحديثة.. أو كما يقول: ” . أنا أكتب بأدواتي التي طورتها عبر مراحل متعددة . .أحاول عبر هذه الأدوات أن أحافظ على الفكرة الأساسية في كل عمل أكتبه..رفضت التصنيف من بداية نضجي المعرفي ، و تشكلي الفكري .. فأنا أكتب للإسلام ، و ليس لتيار بعينه .. الإسلام غاية نهائية ” هذا (مدخل) رأيت ألا بد منه قبل أن أتحدث عن ملامح الواقعية في قصص الدكتور، وعن آلياتها الفنية .. ملامح الواقعية وآلياتها الفنية : من أهم خصائص الواقعية أنها تأخذ موضوعاتها من واقع الناس وتعرضه كما هو بلا محسنات .. وأنها تهتم بالطبقات الدنيا خاصة.. في قصة ( موضي .. حلم يموت تحت الأقدام) يتضح بجلاء هذا الملمح .. القصة تأخذنا إلى عالم العوز والحاجة،وتطرح قضايا الاقتصاد، ومشكلات التناقض في المجتمع ، من خلال (موضي) الطالبة الفقيرة التي وقعت ضحية الجهل والحاجة،و(محمد) الذي يجد نفسه فجأة أمام قضيتها،وينتقل -عبر أحداث القصة- إلى حيها ودارها ومدرستها، كما يبدو في هذه النماذج: “مرة أخرى يبرح بي الألم 00 تبدو لغة المحرومين 00 ساذجة 0بريئة ، لكنها تدمي القلب 0 يحق لك أن تزهو 00 ابن الطبقة الوسطى ، أو فوقها بقليل 00 تعرف الكوكتيل 00 والسكالوب 00 والستيك 00 ها أنت أمام كائن يشاركك نفس الكوكب..ونفس الوطن 00 بل على الطرف الثاني من المدينة 00 ربما لم يعرف سائلا غير الماء في حياته” / ” أبلا نوره 00 دائما تنهي الحصة بتذكيرنا بمقاطعة البضائع الأمريكيــة 00 لكن 00 ثم سكتت قليلا 00 لتقول : البنات في الفسحة يعلقون على (أبلا) نورة ، ويقولون : الأبلا ساكنة في شمال الرياض 00 وتحسب الناس كلهم مثلها ، يستطيعون أن يشتروا بضائع أمريكية”/ “أتعلم ماذا يكون الانسان عند نقطة الصفر 00؟ الكلمات في قاموسه ليس لها أضداد 00 أنت تعرف السعادة 00 وربما سمعت عن الشقاء ، هولا يعرف الا الشقاء 0 أنت تعرف شيئا اسمه الحزن 00 والفرح ، هو لا يعرف إلا الحزن”/” وصلت 00 وقرعت الباب 00 كنت مرتبكا قليلا 0 أخذت ، وأنا انتظر الرد ، أقلب طرفي فيما حولي 00 لفت نظري أن كل بيت لا يكاد يخلو من طبق من أطباق الاستقبال الفضائية التلفزيونية (الدش) 00 بل إن بعضها يتربع على سطحه أكثر من واحد 00 تساءلت في نفسي : أي واقع إجتماعي سيتشكل ، عندما يجتمع في هذه البيوت 00 الفقر 00 والظلم الاجتماعي والمشاكل الأسرية 00 وإنخفاض مستوى التعليم 00 وفضائيات تصب العنف ، والجنس ، والرذيلة 00 في عقول ساكنيها؟ ” ونلحظ هنا أن أسلوب (ضمير المتكلم) قد أتاح للكاتب أن يطرح رؤاه وتعليقاته دون أن يشعر القارىء بأن ثمة تدخلا ما ، فضمير المتكلم أعطى اتحاداً بين البطل والراوي. من ملامح الواقعية: تصوير ضعف النفس البشرية، وصراعها مع نفسها،وهذا ما نجده يتمثل في قصة(ديمي..حب أول) خاصة في الحوار الداخلي بين البطل ونفسه الذي بيّن مقدار صراعه بين الهوى والمُثُل: “طأطأت رأسي ، وتذكرت أني لابد أن أديم النظر إليها وأنا أحدثها ، مجيبا على سؤالها . هكذا هو العرف في ثقافتها ، و إلا كنت قليل أدب ، ومحتقر للطرف الآخر ، الذي أتحدث معه . يا إلهي ماذا أصنع ؟ لقد أصبح النظر إليها يعذبني مرتين . يعذب قلبي ، الذي تاه في فضاءات وجهها ، الذي أبدعت قدره الخالق في تصويره ، ويعذب نفسي التي تعلم أنها ترتع في حرام . يا إلهي ساعدني فإن قدمي تزل : هل أطيع نفسي وشيطاني ، الذي يتمسح بالعرف في ثقافتها .. وبالدعوة . أم أطيع نداء ضميري ، الذي يقول لي ، بل يصرخ بي : إنك في دروب الغواية سائر ؟ هل حقا يعنيك أن تحدثها عن الإسلام ..؟ تستمر عيناي معلقتان …” من ملامح الواقعية : البعد عن الذات وهمومها الضيّقة، والاهتمام بهموم الجماعة ..وهذه تمثلها قصص الحضيف كلها، فحتى لو طرحت معاناة شخصية يكون طرحها من حيث انتماؤها لعالم الإنسان، ومن حيث كونها جزءاً من قضايا المجتمع التي يُشكّلها فرد وتنسحب عليه كله.. من ملامحها أيضاً في قصص الحضيف: الاهتمام بتصوير البيئة ..ذكر أسماء المناطق التي تجري بها الأحداث.. اختيار أسماء الشخصيات مما يكون عادة شائعاً في البيئة التي تدور فيها القصة ..فقصة ( موضي )مثلاً يشعر قارئها بأنها جزء حقيقي من عالمه الذي يعيش فيه من خلال تصوير البيئة بمنازلها وشوارعها وأسماء أحيائها و أوصاف أشخاصها وأسمائهم .. من ملامحها أيضاً : سعة التجارب وتنوع الموضوعات .. من شأن الكتاب الذاتيين تكرار الموضوعات لأن مرجعهم ذواتهم والذات مهما بلغت تظل محدودة ، أما الكاتب الموضوعي/ الواقعي فتختلف رؤاه وتتنوع موضوعاته لأنها مستقاة من المجتمع ومن تجاربه مع المجتمع..والمجتمع بلا شك أوسع مدىً من الذات .. هذا استعراض لـ ( أبرز) ملامح الواقعية ، مع (إشارات) لبعض الآليات الفنية ..أنتقل الآن لعرض أكثر تحديداً لهذه الآليات ؛ لدورها الفاعل في إيصال تلك الملامح .. أولــهــــا _ وهو عنصر يجمع بين كونه ملمحاً واقعياً وآلية فنية_ : الصدق الواقعي والفني في تصوير الشخصية .. حينما تسمع شخصية وهي ( تتكلم) في قصص الحضيف أو تراها وهي (تفعل) .. تجدها ناطقة بالصورة التي رسمها لها .. تجدها لا تخرج عن خصائصها..تماماً كما لو كانت جزءاً حقيقياً من الحياة .. بمعنى آخر : تجد لكل شخصية (أفعالها) الخاصة و( معجمها) الخاص الذي لا يختلط مع شخصيات أخرى ..تجدها لا تنطق إلا بما يتلاءم معها .. وتجد نفسك أيضاً قد خرجت بانطباع وتكوين نفسي عن كل شخصية دون أن يتطوع المؤلف ويشرح لك مواصفات كل شخصية أو سماتها العامة .. هذه مهارة قصصية .. وقد وفّق الكاتب إليها بطريقين : الأول : التقمص لكل شخصية قبل الحديث عنها ، و حسن الانتقال بين زوايا الرؤى المختلفة، مما يجعله قادراً على التعبير عن محاورات الشخصيات بنفس القوة على الرغم من اختلاف وجهات النظر، كما في هذا المقطع من ( أحمد الذي أطفأ قلبه) : “- قدرنا يجب أن نسلم به، وأن نواجهه بشجاعة، أنا رجل لا أنجب، وأنت من حقك أن يكون لك أطفال قالت بصوت تخنقه العبرات : – من قال لك إني أريد أطفال ؟ من حدثك بهذا ؟ أنا أريدك أنت، أنا أحبك، ولا يهمني شيء آخر غيرك!! – هذا صوت العاطفة، لا صوت العقل يا أمل – بل هذا صوتي كلي: جوارحي، قلبي، عقلي، روحي، جسدي… – لن أكون أنانياً يا أمل، أنا أحبك بنفس القدر، لذلك أريد أن أرى لك أطفالا. سنوات يا أمل ثم ندخل خريف العمر. من لك بعد الله لو تركتك وحيدة في ذلك الصقيع، وحال بيني وبينك التراب ؟! لا أستطيع أن أتخيل الزمان يجور عليك وحدك تجترين الذكريات، ثم تقولين: أكان يجب أن أربط مصيري بهذه النهاية؟ ..” والثاني : الاقتراب – لدى رسم كل شخصية – من نموذجها في الواقع …لنأخذ هذا المثال في وصف الرجل والمرأة من قصة ( الدرس .. قراءة في التابع والمتبوع) : ” أكثر شئ يضايقه ، حينما تبدأ زوجته بعقد مقارنة بينه وبين زملاء دراسته في الجامعة ، تقول : تأمل 00 فلان أصبح مسؤلا كبيرا في الدائرة الفلانية ، وأنظر 000 فلان غدا صاحب منصب رفيع في تلك المؤسسة 0 تفعل ذلك وهي تضع السفرة ، وتفعلـه وهي ترفعها ، وحينما تشرب هي وإياه الشاهي في غرفة المعيشة ، أو عندما يخرجان هم والأطفال في السيارة لغرض ما 0 وهي غالبا ما تختم حديثها قائلة : (أنا أعلم أنك لست أقل منهم قدرة وكفاءة 00 أليس ذلك عجيبا 00؟) “كثيرا ما يرد على تساؤلاتها بإبتسامة ، وقد يقول أحيانا ، حينما يراها مهتمة جدا : ألسنا نعيش مثلهم وأحسن 00 وهل قصرت عليك بشئ يا حبيبتي 00؟ تستحي وتقول : لا 00 فقط أنا أتعجب ، ألا ترى أن هناك سر ….” ” رغم أنها تعلم أنه لا يقبل المناقشة في هذا الموضوع ، ويعده مسألة مفروغ منها ، إلا أنها لا تفتأ تلمح له ، من خلال ضرب الأمثال ، أن مواقفه ضرب من المستحيل ، كأن تقول : (من لا يحني رأسه تقتلعه العاصفة) ، أو (اليد التي لا تقدر على كسرها قبلها) ، وغيرها من ذلك الرصيد الضخم من الأمثال الشعبية ، مثل (الموت مع الجماعة رحمة)..” ” – هل تقبلين بالفساد ، وأكل الأموال بالباطل 00؟ – ما شأننا نحن ؟ …أنظر فلان وعلان ، الذين طالما تطعمت بالحديث عن التزامهم وتضحياتهم ، وأقحمت ذكرهم في أمسياتنا .. أين صـاروا 000 وأين أصبحـت أنت 00؟ وجاهة 00 وأموال .. – هذا عرض قريب ، وسفر قاصد يا زهراء ..” نجد هنا صورة شخصية لـ “المناضل” الذي يعيش (للفكرة والمبدأ) في عصر يكون فيه التمسك بهذين مقابلاً مضاداً لـ(ثراء العيش) و(المراكز) …. وصورة أخرى لـ ” زوجته” التي تميل بأثر من طبيعتها إلى رخاء العيش على الرغم من وجود اقتناع أو تمثـُّـل للمبادئ في نفسها .. (الميل) كان فطرياً .. و(الاقتناع ) كان مكتسباً { ربما بأثر من صحبتها للمناضل والتأثربأفكاره } .. هذا الموقف الراسخ من الزوج/ الرجل ، والصراع أو التذبذب من الزوجة/ المرأة .. هو الوضع الواقعي أو الطبيعي ..وهذه الصورة القصصية تحاكي إلى حد كبير الصورة الحقيقية ، وعكس الوضعين لا يستقيم … هذه الرؤية ستعارضها بكل تأكيد داعيات المساواة ، ولكنها الحقيقة ،والحقيقة دائماً تُبنى على (الثابت) لا على (الشاذ) .. نعم توجد نماذج ، مثلما قص القرآن عن امرأة فرعون .. لكنها تظل نادرة .. ولذا ( كمل من الرجال كثير،ولم يكمل من النساء إلا ..) ! هذا ما يتعلق بأولى الآليات الفنية ” الصدق الواقعي والفني في رسم الشخصية ” .. الآلية الثانية هي “الـرمــز” : نجد هذا في قصتين هما( الدرس.. قراءة في التابع والمتبوع) و( زينب يعصرها الأسى ).. في التابع والمتبوع ، نجد البطل ينقل فكرته إلى زوجته وأبنائه بطريق عملية القص واللصق لصور الحيوانات،وحينما تنتهي العائلة إلى استنتاج أن (الرأس) يختلف كثيراً عن ( الذنب) وأن الرأس دائماً موضعه الصحيح واحد في حين أن الذنب يمكن أن يوضع في أي مكان بلا فارق يُذكر،حينما تنتهي العائلة إلى ذلك يكون البطل قد عبّر عن مفهوم (الهوية) هوية الفكر وهوية المبدأ.. في هذه القصة يتيح الرمز عقد موازنات بأثر من الإيحاء اللغوي للـّـفظ وضده .. نلمح هذا مثلاً في المقارنة بين (مشاكل) الرأس و( دوره) في ظل أنشودة الطفل التي تعلمها في المدرسة(لا تكن رأساً) التي هي في نفس الوقت صورة تعبيرية لمراد الزوجة حينما كانت تدعوه من طرف خفي لأن يكون مثل أصحابه، الذين وصلوا لأشياء عبر تقديم تنازلات عن أشياء.. ونلمحه أيضاً في الموازنة بين (الرأس) الذي لا يقبل إلا مكانه الصحيح و(الذيل) الذي يقبل أن يُوضع في أي مكان : ” ما هي النتيجة التي خرجنا بها من قيامنا بخلط أجزاء الحيوانات ؟ – قالت أروى : أنا فهمت أن الرأس لابد أن يكون رأسا 00 أعنى من الصعب أن نلعب بالرأس ونضعه في مكان غير مكانه” ونلمح هنا براعة توظيف اللفظ في قول الصغيرة أروى:” من الصعب أن نلعب بالرأس ..” فمفردة اللعب تحمل معنيين قريب وبعيد.. (لعب الطفولة) الذي يتلاءم في القصة مع الصغار أروى وبشير،ووالدهم الذي يبدو وكأنه يسليهم بصور الحيوانات.. و(اللعب بالعقول) حينما تُغرى أو تُغرّ فتـُعطى عرضاً قريباً لترضى بغير ما هو لها .. هذا اللعب الذي لا يمكن أن يرضى به إلا من كان (ذيلاً) لا من كان (رأساً) .. من الآليات الفنية أيضاً : – المراوحة بين أساليب الخطاب ( سخرية ، شجن ، تشويق، تأمل ) ..تفاوت الشعور النفسي .. هذه الميزة في قصص الحضيف تشبه الموسيقا الداخلية في الشعر.. شيء يضفي جاذبية على القصة وهو غير منظور …يحضرني في هذه النقطة تعليق أحد القراء على قصة ( ديمي) حينما قال أنه ظل مسمّـراً على الشاشة على الرغم من طول القصة الذي يصل إلى أربعين صفحة…. في نظري أن هذه الميزة هي التي خدمت قصص الحضيف طويلاً …الذي يقرأ قصة من قصص الحضيف يشعر وكأنه يطل على صندوق ذكريات عتيق .. مرة يبتسم .. ومرة يغرق في شجوعميق .. ومرة يتأمل .. هذه التنقلات الشعورية التي تاتي تبعاً لتنقلات الحدث في القصة الواحدة تقطع رتابة السرد،وتضفي حيوية على القص.. – توظيف الثقافات لإعطاء بعد تأملي ، وإضفاء ثراء وجاذبية أيضاً؛ فالإنسان ينجذب إلى المعرفة الجديدة ..كما في هذا المقطع من حديث (ديمي) مثلاً : ” ـ أنت شخص جاد ، لديك اهتمامات خاصة . ربما بتأثير من الثقافة التي تنتمي إليها ، علاقاتك النسائية محدودة ، ولا يبدو أنك تسعى إلى شئ من ذلك . ضع هذه المعطيات في جانب . الأماكن الأخرى في المكتبة تكثر فيها الحركة ، ويكثر فيها تحرك الطالبات . نحن البنات نحب الاستعراض ، حتى في الأجواء الأكاديمية . النتيجة ، بناء على ما سبق ، ستكون في مكان مثل هذا . طبيعي أني لم آت إلى هنا مباشرة ، ولكن بعد مسح سريع للأماكن الأخرى ، تأكدت أنك إن كنت في المكتبة فلابد أن تكون في مثل هذا المكان .. توقعاتي صحيحة ، أليس كذلك .. ما رأيك ألست خبيرة (سايكولوجية) جيدة .. ؟ ـ لم يكن صعبا .. شخص مثلك ، من السهل على من هو مثلي ، أن يعرف مفتاح شخصيته .هل نسيت أن تخصصي الفرعي علم نفس .. أه عفوا .. نسيت أن أخبرك ذلك . أنا بالمناسبة ، أدون في دفتر ملاحظاتي كل شيء عن الأشخاص الذين التقي بهم . هل يزعجك أن تعلم أني فعلت الشيء نفسه معك .. ؟ – النهايات المفتوحة لبعض القصص .. وهي سمة لـ(واقعية) الطرح …. حينما تكون المشكلة ماتزال قائمة .. وحلها يحتاج إلى عوامل كثيرة .. تأتي النهاية المفتوحة لبيان أن الواقع مازال معلقاً ..ثم إن النهاية المفتوحة (فنياً) تعني أن يبقى القارىء مستثار الذهن متأملاً وأن يكون أمام عدة دروب للحل.. في حين أن النهاية المغلقة تعطيه إجابة نهائية، ومجال التأثير الفكري التأملي فيها أضيق من مجال النهايات المفتوحة. – سمة أستطيع أن أسميها( قراءة الشعور) وهي تعليقات عميقة متداخلة بين أجزاء الحوار تصور الذي يدور في ذهن الشخصية حينما تتكلم..أوتحلل دوافعها النفسية لأن تقول ما قالته ..هذه التعليقات تضفي عمقاً تأملياً .. وتُنشئ نوعاً من التلاحم بين القارئ والشخصية التي يقرأ عنها.. – بث القيم بأسلوب رفيع يرتكز على الإيحاء لا المباشرة أو بمعنى آخر : ترسيخ الهدف والقيمة بأسلوب فني يلمح ولا يصرح .. مثلاً في قصة (أحمد) نجد هذه العبارة في حوار هدى وأمل عن أحمد الوافي : ” لقد وصل البارحة من (سراييفو)، حيث كان ضمن وفد إغاثي في البوسنة” هذه العبارة تبين أن أحمد (الوفي) (المنكر للذات) هو من الشباب الصالح الملتزم .. وهي في الوقت نفسه ترسّخ قيمة هي أن الخلق الكريم يكون في أهل الصلاح .. هذه القيم بثها المؤلف عبر هذا الأسلوب القصصي اللماح ، فاستطاع أن يغرسها في نفس القارئ دون أن يبث تقريراً عن صلة الخلق بالدين أو عن ظلم المجتمع لأهل الصلاح والتركيز على عيوب نماذج فردية منهم لسحبها على الجميع .. مثال آخر نجده في قصة ديمي .. : ” ـ أريد أن استعير دفترك .. بالمناسبة أنت مسلم ..؟ ألتفت إلى مصدر السؤال ، الذي كان مفاجئا لي ، لتصطدم عيناي بمفاجأة أكبر . لقد كان الذي جلس بجواري ، وطلب دفتري ، فتاة في غاية الجمال . كانت تقلب بين يديها لاصق من ذلك النوع الذي يوضع على مؤخرة السيارة ، والذي يحمل عبارات مثل : ” اقرأ القرآن .. آخر وحي نزل من السماء ” ، أو ” الإسلام آخر الديانات السماوية .. تعرف عليه ” . كان اللاصق ، مع أوراق أخرى عن الإسلام ، موجود ضمن دفتر محاضراتي ، الذي طلبت الاطلاع عليه . قلت لها ، وأنا أحاول ترتيب دفتري ……” هنا نجد إيحاء بأن المسلم داعية أينما كان .. فهذا البطل مُبتعث للدراسة ، ولكنه يستغل وجوده هناك للدعوة إلى الله .. ميزة هذه المعلومة أنها جاءت إيحاءاً .. وأنها ملتحمة التحاماً وثيقاً ببنية القصة، فهي جزء من الحدث وجزء من رسم الشخصية في نفس الوقت الذي تبث فيه قيمة مضمونية ،وهنا لا يشعر القارئ بأن المؤلف يتقصد أن يعطيه درساً ..أو يستعلي عليه .. أو يستغفله حينما يقطع القصة ليورد أشياء لا داعي لها لمجرد اعتقاده أن القارئ يلزمه العلم بها .. أنطلق من هذه الآلية الفنية الأخيرة لأبيّن : ما الذي أضافه الدكتور للاتجاه الواقعي ؟ إنني أرى أن الدكتورقام بأسـلـَمَـة هذا الاتجاه .. أي جعله موافقاً للبلد المسلم والمجتمع المسلم والمتلقي المسلم .. الدكتور أخذ من الاتجاه قوالبه الفنية أو آليّاته وطوّعها لتوافق عقيدته ومجتمعه .. هل تم هذا بمجرد بثه للقيم الإسلامية والدعوية في القصة كما رأينا في النموذجين السابقين ؟ … هذا واحد من نواحي الأسـلـَـمَـة .. لكن ثمة نواحٍ أخرى ، لعل أهمها وأبرزها : مخالفته للواقعيين العرب في طريقته في الاستفادة من هذا المنهج .. هم أخذوا (الآلية) الغربية و ( المحتوى) الغربي أيضاً : حينما يكتب أحدهم رواية واقعية فإنما ياخذ أسماء شخصيات بلاده وأسماء مدنها فقط ، أما الأحداث فيأتي بها من قراءاته للقصص الغربي ويسقطها على بلده .. ويحسب أنه لن يكون واقعياً إلا إذا كتب كذا؛ فتجد روايته قائمة على الرذيلة والخطأ والإلحاد والشر … ويدّعي – إذا نوقش- أن هذا مما لا يخلو منه مجتمع ،وأن الواقعية تتطلب التركيز على هذا .. وينسى أن الواقعية تتطلب الموضوعية والإخلاص لا التركيز على الشواذ .. بل إن الذين صنعوا هذا الاتجاه تكلموا عن مجتمعهم وفق ماهو شائع فيه ، و الشائع/ الأصل عندهم ليس مثل الشائع/ الأصل عندنا .. أما واقعية الحضيف فهي تأخذ ( الآلية) الغربية فقط ، أما (المحتوى) فتستمده من المجتمع المسلم ؛ أي تأخذ مشكلات المجتمع منه لا من غيره .. تركّز على عيوب المجتمع وتعرّي واقع المجتمع ، لكنها (لا تستورد) للمجتمع مشكلاتٍ ليست فيه .. أخيراً : أشعر أني أطلت والقراءة النقدية دائماً أثقلُ ظلاً من القصة .. و لا أظن الذي صبر على قراءة قصص الحضيف الطويلة سيمنح هذه القراءة صبراً مماثلاً !.. لذا سأشير إلى النقطة الأخيرة إشارات فقط ..(مع أنها تحتاج إلى قراءة مستقلة) .. والنقطة تتعلق بـ (اللغة) في قصص الحضيف .. وهي تتميز بالتوافق الفني مع مستويات الشخصيات العمرية والثقافية(في الحوار) و الأسلوب الحكائي التصويري البعيد عن الإنشائية والتقعّر(في السرد) . كما تتميز بالمنحى الشاعري المحلق، وخاصة في بعض مقاطع التداعي ،حتى أن بعض الجمل تشكّـل إبداعاً مستقلاً : “شخص أطفأ قلبه ليوقد لها شمعة” (أحمد الذي..) ” ولم تصنع لنفسها حياة ، لأنها كانت مشغولة بصناعة الحياة لغيرها” (وداعاً هيا)

آثار على الدرب
أبو أحمد
السلام عليكم قرأت موضوعا للكاتب عنوانه :عائشة .. في غـرفة التشريح وتعجبت من القصة وأعجبتني كثيرا لكنني شككت في كونها واقعية أم تصف الواقع مع زيادات غير واقعية...وأحب أن أعلم هل حقا هذه القصة واقعية بكل تفاصيلها ...المؤلمة والمحزنة أم أنها مجرد رسالة تحذيرية لما قد يؤوول إليه الواقع إذا لم يتم تداركه بأسلوب سليم وحكيم.
اترك أثرًا

Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.