مـوتٌ أخضــر ..!
 |
|
 |
حين انحدر نازلاً من الدرج ، صمتٌ أخرسٌ كان يملأ المكان . فتحة المكيف الصحراوي ، الذي يتوسط جدار الصالة .. أغلقت فمها ، وكان قد أعتاد أن يسمع حركة السائق ، ذاهباً وآيباً إلى غرفته ، تتسلل من خلالها . ما عادت الآن، تنسل منها.. نسمة . حتى ..ولا وشوشة الهواء ، يقلب وريقات الشجر اليابسة المتقصفة، التي امتلأ بها الممر، أو صفير .. من ذلك الذي غالباً ، ما تزفر به رياح نوفمبر ، وهي تشيّع الخريف إلى مثواه الأخير ، له حشرجة .. مثل نشيج ثكلى .
صوت وطء قدميه الحافيتين ، تدوسان بنعومة على الموكيت.. تناهى لسمعه . هذه أوّل مرّة .. يمشي فيها حافياً ، لمّا لاحظ أن ثمة بقع سوداء على الفرشة ، تركها القار الذي علق بحذائه ، أثناء عبوره الشارع .
كان مثيراً لاهتمامه ، كيف أن الصمت خنق كل شيء ، إلى الحد الذي جعل الوقع الخافت لقدميه العاريتين، على السجادة ، يصل إلى مسمعيه . عند آخر درجتين توقف. أخذ يحدق في النبتة ، في الإناء الزجاجي أسفل الدرج . كانت قد يبست تماماً ، وتحولت إلى اللون الأصفر ، إلا ورقتين في أطرافها ، ما زالتا تقاومان باخضرارهما ، من أجل البقاء .. شحوب الموت الأصفر .
لم ينتبه أن الماء في الإناء .. قد نضب ، رغم أنه يمــر من أمامه كل يوم . لبس نظارة القراءة ، ورفع الإناء إلى محاذاة عينيه .. ثم أماله : لا شيء يتحرك ، لا توجد قطرة ماء . انتبه أن اللاصق .. قريباً من عنق الإناء ، الذي يحمل كلمة الإهداء .. قد تقشر أيضاً ، ولم يبق منه إلا كلمة واحدة فقط . ما زال يتذكر تلك الظهيرة ، حين عاد ورأى النبتة .. فسألها عنها ، قالت : " من وفاء " . أعاد الإناء لمكانه ، وبقي يتأمل النبتة . أكثر ما شغل تفكيره ، كيف حافظت الوريقات على لونها الأخضر ، وقاومت الموت .. رغم العطش .
لون الجفاف الأصفر ، انتشر في كل مكان . نظر إلى الطاولة الزجاجية، في زاوية الصالة ، كانت قد تراكمت فوقها ، طبقة من الغبار .. الأصفر ، فتغير لونها ، واقترب من لون السجادة .. البيج . التفت إلى غرفة جانبية ، فيها خزانة ملابسها . دخل وفتح الخزانة ، وتحسس الملابس بيده . قميص أثير لديها ، كـــان يحب أن يراها ترتديه .. رآه معلقاً . تداعت إلى ذهنه المشاهد . آخر مرة رآها تلبسه ، قبل أشهر . كانت واقفة أمام مرآة التسريحة ، تستعد للذهاب إلى مناسبة . تأملها طــــويلاً ، تنقل خصلات شعــــرها ، يميناً ويساراً . أخيراً .. استقر رأيها ، أن تربط شعرها ذيلاً ، فجاء لونه الأسود ، المموه بالأشقر، متناسقاً مع رقبتها الرقيقة ، بلونها العاجي المائل للصفرة ، ولون القميص الأبيض السكري . خيّل إليه أنه لم يعش معها سنوات . أدهشه المشهد ، وأحس بحاجة شديدة .. لأن يقول ، أو يفعل شيئاً . تردد .. وقاوم رغبة تدفعه للنهوض إليها وضمها .. لكي لا يفسد مكياجها :
- " ما أجملك .. ذوقك روعة " .
التفتت إليه ، وخطّان يلمعان في وجهها .. عيناها وثغرها :
- " يــا حبي لك " .
مد يده وسحب القميص تجاه وجهه . تردد لحظة .. ثم أعاده إلى مكانه ، وأقفل الخزانة . خرج من الغرفة ، واستوقفه .. مرة أخرى، مشهد الغبار على الطاولة . توجه إليها .. وخط بأصبعه فوقها : " عندما رأيت الغبار يتراكم ، أدركت أنها لن تعود ، فتوقفت عن شم ملابسها " .
مشى خــــارجاً ، ولما صار بمحاذاة النبتة الجافة ، لمس الوريقات الخضراء ، فسقطت بيده .
- ميّتة .. كانت تتظاهر بالحياة..!
اللاصق سقط كذلك . إلتقطه .. وأمعن النظر فيه : الكلمة كانت .. ( وفــــــاء ) ..!
- تمت -
 |
تعليقات |
 |
» لـَكـََم نحتاج إلى الخضرة في زمن الإصفرار ..
كتبه : تماضر بنت محمد حلواني يوم الجمعة 15 رجب 1429 هـ (3:07:19 ص)
أبدعت .. و سلمت أنامل خطت هذه الرائعة ..
لـَكـََم نحتاج إلى الخضرة في زمن الإصفرار ..
و كم من ميتٍ يتظاهر بالحياة ...
أتمنى من الخالق أن لا يسود الصمت طويلاً ....
و أن لا ينضب ماء الرجولة من رجالنا .....
و أن يظل الوفاء شعاراً لنا لديننا و أرضنا ......
أكثر من فكرة ، خاطرة ،تساؤل ثار في البال .......
إلام نحن كذا ؟؟!!
» حب ووفاء
كتبه : محمد يوم السبت 16 رجب 1429 هـ (11:28:03 م)
لله درك يادكتور محمد ...
التعليق قد يطول كثيراً عن ماكتبت
وكالعادة اسجل اعجابي بهذا الطرح الرائع
خصوصاً انك اخترت اسم ( وفـــــاء )
» بقاءٌ أزلي ..!
كتبه : هاجر السنافي يوم الاثنين 18 رجب 1429 هـ (7:12:23 ص)
(الوفاء)
يُسجل الحضور لأحبابنا دون غيابْ ..
ويكتب لهم بقاءً أزلياً لا يضر معه رحيلْ ..
..
.
.
.
.
عيناي أرخت أشرعتها هنا ..
وهذا ما يفعله حرفك معها دائماً
» القلب والعش!!!!!
كتبه : نيللي يوم السبت 23 رجب 1429 هـ (11:12:46 م)
" عندما رأيت الغبار يتراكم ، أدركت أنها لن تعود"
أستاذي كم حضورك رائع :
:
:
:
:
ربما تأخر الطائر في العوده ..
وحن العش إليه ..
ويبقى الحنين ما بقيت أجزاء من العش باقية
» هكذا اذن
كتبه : أحمد الشهري يوم الخميس 05 شعبان 1429 هـ (7:47:19 م)
رغم إخضرار الورقتين أبا الموت إلا أن تسقط
لو أن القدر بمعادلاتنا الفيزيائية الحيوية لبقيت تلك الورقتين طويلا
لكن قضاء الله فوق ذلك
جميل ما تكتبه دائما رغم أنه يبكينا في كل مره نعود اليه
انت كشيء نخشاه في دواخلنا ينبض بقوه نهرب منه إليه
سلمت يد خطت ما خطت
فائق الود
» هكذا الدّنيا .. !
كتبه : لميس يوم السبت 14 شعبان 1429 هـ (12:42:34 م)
إنّي هذه الورقة !
» حيـــاة خضــراء
كتبه : أبوبكر حمدي يوم السبت 28 شعبان 1429 هـ (1:46:33 ص)
حيـــاة خضــراء ، في الفردوس الأخــضر ، سندس واستبرق ونعيم رب كريم رحيم لا ينفد ...
الإعتقاد يخبرنا بأن الموت بوابة لدخول عالم آخر ، عالم سرمدي لا ينتهي من خيرات ربنا ونعيمه في جنات الخلد ....
وربنا أرحم بعباده من أمهاتهم وآبائهم ...
ورغم ذلك فالفراق له ألم ..نسأل الله الصبر والصبر عبادة
جميل ما تكتبه دائما رغم أنه يبكينا في كل مره نعود اليه
انت كشيء نخشاه في دواخلنا ينبض بقوه نهرب منه إليه
سلمت يد خطت ما خطت
» دربي واحد
كتبه : عقبى الدار يوم الاثنين 08 رمضان 1429 هـ (2:09:05 ص)
تظل كلماتك تلامس مشاعرنا ..
لكل منا حبيب فقده ، لكن ما يهون علينا الفقد هو الأمل في رحمة الله ..
عقبى الدار .. برنامج للدكتور فهد السنيدي يربط بين أشياء نجدها في الدنيا توجد في الجنة أيضا لكنها هناك في الجنة كنوز.. ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
يظل شوقي لأمي الحبيبة التي فقدتها فجر العيد حافزا يعينني بعد الله ليكون دربي واحد للوصول لرضى الله حتى ننعم بحياة أبدية هناك لنلتقي بالأحبة على باب الجنة لندخلها سوياً
آآآآمين.
|