في الأسبوع الماضي شاركت في ورشة عمل، في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، موضوعها تقويم دور المركز في تأسيس وترسيخ ثقافة الحوار في المملكة، عبر استقصاء جوانب القصور ومجالات النجاح. طُرحت أراء ووجهات نظر، بعدد من شارك من الرجال والنساء، حول واقع الحوار ومستقبله، ومجالاته في المملكة. من يعيق تطوره، ومن يهدم بنيانه.. ومن يعززه ويبنيه.

من المصادفة أن تأتي هذه (الورشة) حول الحوار، في وقت شهدت ساحة الحوار الوطني امتحانا آخر شديد السخونة، حين تكلم الشيخ عبدالمحسن العبيكان في حديث إذاعي في مواضيع أثارت ضجة ولغطا.. وهي محل نزاع. استثار ذلك الحديث أطرافا كثيرة من الناس، ومن الكتاب والإعلاميين خصوصا، لاستعراض أساليبهم وخطاباتهم (الحوارية). كان امتحانا حقيقيا للغة الحوار ولمستواه، لدى من يوصفون بأنهم (نخب) ويتصدرون المنابر الإعلامية، ليعلموا الناس أداب الحوار وفضيلة الأدب.

كان طبيعيا أن تتعدد وجهات النظر حول واقع الحوار في المملكة، وأن تتباين الأراء حول حجم الدور الذي قام به المركز الوطني للحوار، في تأسيس الثقافة الحوارية لدى المواطنين، أو قادة الرأي فيهم على الأقل. لكن اللافت للنظر، هو الإتفاق الذي وصل حد الإجماع.. وبمستويات مختلفة، على الدور المشين الذي يقوم به رؤساء تحرير صحف وكتاب وإعلاميين، من هدم لقواعد الحوار، وإشاعة أجواء احتقان وكراهية، من خلال لغة وضيعة ومسفة، تعتمد الشخصنة، وتتعمد تدمير الأشخاص وذواتهم الإعتبارية.

حينما يتحول شخص من (معالي الشيخ) إلى (المدعو)..في ظرف يوم، وفي نفس الصحيفة، وبلسان رئيس تحريرها.. فاعلم أنك أمام حالة مرضية معدية، لايمكن أن تقود حالة وطنية صحية لأدب الخطاب، والحوار البناء، وعقلنة الخطاب الوطني. عندما ينهض فجأة فريق من الطبالين، يرقصون على نفس الإيقاع، ويغنون نفس (الهجاء) الشخصاني المبتذل.. وهم يتسنمون منابر إعلامية، ويقودون خلفهم كومبارس من المطبلين منخفضي الأجور، فاعلم أنك في حفلة عرس شعبية، حضورها من العالم السفلي، الذي اعتاد لغة شوارع في فض اختلافاته مع مخالفيه.

لما كنا طلابا في أمريكا، كنا ندهش من الدور الذي يقوم به أساطين الإعلام، في قيادة حوار قومي مدهش ومتماسك وعقلاني، لأشد الأزمات (الوطنية) إثارة وقلقا في الشارع الأمريكي. لقد تحولت صور هؤلاء الرموز الإعلامية، إلى أيقونات وطنية، يتعلم منها الشباب، ليس كيف يحاور ويدافع عن رأيه بأدب وحجة ومنطق، بل أيضا..كيف يتخلى عن الشخصنة، لمصلحة الفرد أو الحزب، من أجل صالح الوطن والامة.. والحقيقة. حينما عدت أستاذا في جامعة الملك سعود، لم أجد في هذه (الأحافير) المشوهة..التي يعاد إنتاجها في كل مرة، ما يجعلني أقدمهم نموذجا (مشرفا) لطلابي في الإعلام..كما فعل أساتذتي حينما حدثونا باعتزاز عن والتر كرونكايت، وتيد كابل، أو بوب وود وارد.. وكثيرون.

هناك فرق بين الحوار وحملات التشويه المدفوعة الثمن. هناك فرق بين الشخصنة والديماغوجية، وبين النقاش العقلاني للأفكار ..وليس الأشخاص. الفرق أنك تستطيع ان تختلف وأنت في موقعك، وتظل تتمتع باحترام، حتى لو لم يكن (الحق) إلى جانبك..لكن ليس بإلغائي، أو ما تظنه هدما لكينونتي. صحيح أنك تستطيع إذا ملكت (سلطة)، أن تؤذيني وتشوهني.. لأنك تخاطب غوغاء، سهل أن تستفز فيهم تلك (الفوبيا) المتوارية في غرائزهم، عن شتى مشاعر الخوف والأمان، والجوع والشبع، والري والعطش، والتقديس والاحتقار. لكنك لن تستطيع وقف فكرتي، التي تتسلل إلى قاع دماغك وتشعرك أنك سمسار تسوق شيئا ليس لك. أنت تعرف حين تتحسس جيبك، أنك لاتحاور، ولاتبني وطنا، بل شيئا ربما يشبهه وتتوهمه وتزعمه، تفصله حسب ذلك الجيب. أنت تعرف أنك ظل باهت لشيء (كبير) خلفك..لكنك صغير جدا، لاتعرف ماهو، وأنت تعرف أنك لاتقنع أحدا.

د. محمد الحضيف

اترك أثرًا

Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.